التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - التفسير بالرأي
في الدين و علّمه التأويل». فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، و هذا بيّن لا إشكال فيه.
و إنّما النهي يحمل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، و إليه ميل من طبعه و هواه، فيتأوّل القرآن على وَفْق رأيه و هواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه. و لو لم يكن له ذلك الرأي و الهوى؛ لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.
و هذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، و هو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، و لكن مقصوده أن يلبِّس على خصمه.
و تارة يكون مع الجهل؛ و ذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، و يرجّح ذلك الجانب برأيه و هواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حَمَله على ذلك التفسير، و لولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.
و تارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلًا من القرآن، و يستدلّ عليه بما يعلم أنّه ما أُريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، فيقول: قال اللّه تعالى: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى»[١] و يشير إلى قلبه، و يومئ إلى أنّه المراد بفرعون. و هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام و ترغيبا للمستمع، و هو ممنوع لأنّه قياس في اللغة، و ذلك غير جائز. و قد تستعمله الباطنيّة[٢] في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس و دعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزّلون القرآن على وَفق رأيهم و مذهبهم، على امور يعلمون قطعا أنّها غير مرادة.
فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير استظهار بالسماع و النقل، فيما يتعلّق بغرائب القرآن، و ما فيه من الألفاظ المبهمة و المُبدَلة، و ما فيه من
[١] -. طه ٢٤: ٢٠.
[٢] -. من أهل التصوّف.