التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٨ - قيمة تفسير الصحابي
و قد عرفت كلام ابن مسعود: «كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتّى يعلم معانيهنّ و العمل بهنّ»[١]. و هو أقدم نصّ تاريخيّ يدلّنا على مبلغ اهتمام الصحابة بمعرفة معاني القرآن و اجتهادهم في العمل بأحكامه.
و هذا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول- بشأن ماكان يصدر منه من عجائب أحكام و غرائب أخبار-: «و إنّما هو تعلّم من ذي علم ... عِلم علّمه اللّه نبيّه فعلّمنيه، و دعا لي بأن يعيه صدري، و تضطمّ عليه جوانحي»[٢].
و هذا ابن عبّاس- تلميذه الموفَّق- كان من أحرص الناس على تعلّم العلم و معرفة الأحكام و الحلال و الحرام من شريعة الإسلام. و كان قد تدارك- لشدّة حرصه في طلب العلم- ما فاته أيّام حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لصغره[٣] بمراجعة العلماء من صحابته الكبار بعد وفاته صلى الله عليه و آله و سلم، و قد كان النبيّ قد دعا له: «اللّهمّ علّمه التأويل و فقّهه في الدين، و اجعله من أهل الإيمان»[٤].
روى الحاكم في المستدرك بشأن حرصه على طلب العلم: أنّه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قال لرجل من الأنصار: هَلُمَّ، فلنطلب العلم، فإنّ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أحياء. فقال:
عجبا لك يا ابن عبّاس، ترى الناس يحتاجون إليك، و في الناس من أصحاب رسول اللّه من فيهم. فأقبل ابن عبّاس يطلب العلم، قال: إن كان الحديث ليبلغني عن الرجل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قد سمعه منه، فآتيه فأجلس ببابه، فتُسفي الرّيح على وجهي، فيخرج إليّ فيقول: يا ابن عمّ رسول اللّه، ما جاء بك، ما حاجتك؟ فأقول: حديث بلغني عنك ترويه عن رسول اللّه، فيقول: ألا أرسلت إليّ؟! فأقول: أنا أحقّ أن آتيك[٥].
و من ثَمّ كان يسمّى «البحر» لكثرة علمه. و عن مجاهد: هو حِبر الامّة. و عن ابن الحنفيّة: ربّانيّ هذه الامّة[٦]، إلى غيرها من تعابير تنمّ عن مدى رفعته في درجات العلم.
[١] -. تفسير الطبري، ج ١، ص ٢٧ و ٣٠.
[٢] -. نهج البلاغة صبحي صالح، خ ١٢٨، ص ١٨٦.
[٣] -. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين.
[٤] -. أخرجه الحاكم و صحّحه؛ المستدرك، ج ٣، ص ٥٣٦.
[٥] -. المصدر نفسه، ص ٥٣٨.
[٦] -. المصدر نفسه، ص ٥٣٥.