التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٣ - حل شبهات المجبرة
استقلاله و استغناؤه في الصنع و الإحداث، و افتقار غيره من الصناع إلى فعل القوى التي أودعها اللّه في جبلة الأشياء.
٢٣- أمّا عدم اجتماع قدرتين على مقدور واحد، فان اريد قدرتان مستقلتان على ايجاد الشيء خارجا. فحق، و لا كلام لنا في ذلك. إنّما الكلام في قدرتين إحداهما على ايداع القوى في طبيعة الأشياء و الأفاضة عليها في خط البقاء. و الثانية على إيجاد شرط التفاعل بين هذه القوى. كما في مثال الإحراق و الاحتراق بالنار و هذا شيء بديهي لا غبار عليه.
٢٤- و أمّا التشريك في الخلق فإنّما يلزم لو قيل بتأثير قدرتين مستقلتين كل على مقدور غير مقدور الاخرى، كما ذهب إليه الثنوية. أمّا لو كانت هناك قدرتان إحداهما في طول الأخرى و في امتدادها- وفق سنة اللّه التي جرت في الخلق- لحكمة التكليف و الاختيار، فلا شرك، بل هو توحيد خالص، كما لا يخفى على اولى النهي.
٢٥- أمّا العلم بتفاصيل المصنوع فواجب لو كانت جميع تلك التفاصيل من صنعه و واقعة تحت اختياره و عن قصده، أمّا لو كانت جملة المصنوع إجماليا واقعة عن قصده، لكن لزمتها بعض الخصوصيات لا عن اختياره، فلا يجب تعلق علم الصانع بها.
ففي مثال المشي، كان الذي قصده الماشي هو: رفع رجله و وضعها إلى الأمام في اتجاه خاص. و هذا المقدار هو الذي ينسب إليه و يكون عن اختياره و قصده و إرادته الخاصة. أمّا قدر ما بين قدميه من مسافة و كم خطوة يريد تخطيها، فهذا لم يقصده و لا واقع تحت إرادته، و لا هو منسوب إليه كعمل اختياري. و هكذا حركات أعضائه عند الأخذ و البطش، و مدّ الاعصاب و الايعازات العصبية، و ما إليها كلّها خارجة عن اختياره و إرادته الخاصة، و لا ينسب إليه شيء من ذلك[١].
[١] راجع- بالخصوص- محاضرات سيدنا الاستاذ- دام ظلّه-: ج ٢ ص ٤٤- ٤٥.