التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٥ - حل شبهات المجبرة
يجعلهم مختارين في الاهتداء و البقاء على الضلال تحقيقا لحكمة التكليف. و من ثمّ فمنهم من يؤمن و منهم من يكفر فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ[١]، الأمر الذي ينتهي بامتلاء جهنم من العصاة و الكفار، لسوء اختيارهم الفسوق و الطغيان.
و تدلنا على ذلك الآية بعدها: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٢] فكان استحقاقهم العقاب، لسوء تصرفاتهم في هذه الحياة، و تناسيهم لقاء يوم الحساب. الأمر الذي يتنافى و مقصود الأشعري في الجبر على الكفر و العقاب.
٢٨- و الآيات التي جاء فيها تعليق الايمان على مشيئة اللّه، إنّما تعني إرادته التكوينية للايمان المتنافية مع حكمة التكليف: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[٣]. لكنه تعالى لم يشأ ذلك، بل خول الناس اختيارهم في الكفر و الايمان لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[٤].
و بذلك اتضح تفسير قوله تعالى: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا- أي باختيارهم- إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ- أن يجبرهم على الايمان. لكنه تعالى لا يفعل ما يخالف حكمته في التكليف-[٥].
٢٩- و قوله: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[٦] يعني إذنه في تحقق الاشياء- على ما سلف تحقيقه- فكل ما يريد العباد فعله، لا يقع إلّا بإذن اللّه، و بإرادته الحادثة. الواقعة إثر إرادة العباد، وفق سنته الجارية في الخلق.
٣٠- ٣١- و كلّ آية جاء فيها تعليق الايمان أو عدم الشرك أو عدم القتال على مشيئة اللّه تعالى، فانّما هي المشيئة التكوينية، بنفس التقريب المتقدم برقم: ٢٨.
[١] الكهف: ٢٩.
[٢] السجدة: ١٤.
[٣] يونس: ٩٩.
[٤] الانفال: ٤٢.
[٥] الانعام: ١١١.
[٦] الانسان: ٣٠.