التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٧ - حل شبهات المجبرة
و تخلص الأشعري بنفسه بحمل الاولى على الاستفهام الانكاري، و قد تقدم وهنه برقم: ٣٣. و قد شنعوا عليه هذا التأويل الذي لا يعدو تحريفا ظاهرا لا مبرر له سوى قلة الورع و عدم المبالاة بالدين.
و قد جاء مثل التعبيرين في قصة موسى (عليه السلام)، قال تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ. وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ[١].
فقال تعالى مكذبا لهم في ذلك: وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[٢]. فبين أنّه تعالى هو الذي يفعل الأمرين بلاء و مصلحة، لكي يرجع العاصي و يقتلع عن كفره و معصيته.
و تفسيرهما الصحيح: أنّ الحسنة هنا: الرخاء و وفور النعم. و السيئة:
الجدب و القحط و البلايا. فكلتاهما من عند اللّه ابتلاء لعباده بالنعم شكرا أم كفرانا؟ و بالبلايا ارعواء أم زيادة طغيان؟. و قد تكون النعم تفضلا و مزيدا في الاحسان جزاء لشكرهم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[٣]. و تكون البلايا نقمة و عقابا وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[٤]. فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[٥].
فالسيئة- كالحسنة نازلة من عند اللّه لحكمة الرجوع إلى الرشد و الارعواء عن الباطل لطفا، أو نكالا و عقابا على المرود و الطغيان. غير أنّ السبب الموجب لنزول البلاء عليهم هم أنفسهم جزاء بما كسبوا.
و بهذا يجمع بين قوله- بشأن الحسنة و السيئة-: «كلّ من عند اللّه». و قوله- بشأن السيئة-: «فمن نفسك». نعم كانت الحسنة (النعم و الرخاء) تفضلا من اللّه محضا، حيث لا استحقاق ذاتيا للجزاء على الحسنات إلّا ما وعد اللّه من
[١] الاعراف: ١٣١.
[٢] الاعراف: ١٦٨.
[٣] إبراهيم: ٧.
[٤] الاعراف: ٩٦.
[٥] الانعام: ٤٣.