تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٢٤ - الثالث الاستطاعة من حيث المال و صحة البدن و قوته و تخلية السرب
..........
و مع الاغماض عن ذلك، و تسليم أنها تامة سندا و لكنها تدل على اعتبارها في مطلق الاستطاعة، بدون فرق بين البذلية و غيرها، بقرينة أنها وردت في تفسير السبيل في الآية الشريفة بالسعة في المال، و من المعلوم أنها مشتركة بين الاستطاعة البذلية و غيرها، لوضوح أنه ليس للاستطاعة البذلية معنى آخر غير الامكانية المالية، مع أن هذه الكلمة قد وردت في روايات البذل أيضا، هذا اضافة الى أن صيغ التعبير في الروايات الواردة في اعتبار الاستطاعة في وجوب الحج و روايات البذل تدل على أن الاستطاعة في كلا الموردين بمعنى واحد، و لا يظهر منهما الاختلاف فيها اصلا، نعم قد تختلف في بعض اللوازم.
و بكلمة: ان روايات البذل ناظرة إلى أن من بذل له ما يحج به فقد وجب عليه الحج شريطة أن تتوفر فيه الاستطاعة البدنية و الامنية على نفسه أو عرضه أو ماله في الطريق و عند الأعمال.
فالنتيجة: ان روايات البذل تدل على تحقق الاستطاعة المالية به بدون فرق بين أن تكون على نحو الملك أو الاباحة، فان المعيار في وجوب الحج انما هو بوجود ما يحج به و إن كان على نحو الاباحة، غاية الأمر إن كانت عنده نفقة تكفي لعياله في فترة سفره الى الحج وجب عليه استجابة البذل و الّا لم تجب.
نعم إذا كان وجوده و عدمه على حد سواء بالنسبة إلى نفقتهم و لا أثر له بشأنها فتجب عليه استجابته.
لحد الآن قد ظهرت ان الانفاق على العيال كالوفاء بالدين خارج عن الاستطاعة موضوعا و انما يكون وجوب الانفاق كوجوب الوفاء بالدين مزاحم لوجوب الحج، و بما أن الأول أهم يتقدم على الثاني، و من أجل ذلك ان من كان لديه مالا لا يكفي للإنفاق على الحج و العيال معا قد يطلق عليه انه غير مستطيع، و لكن من المعلوم ان اطلاق عدم المستطيع عليه حكمي لا موضوعي باعتبار أن كلا منهما واجب مستقل في الشرع و لموضوع كذلك، و قد يقع التزاحم بينهما إذا لم تتسع قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال.