تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٤ - فصل في وجوب الحج
..........
علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر عليه السّلام قال: «ان اللّه عز و جل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام و ذلك قوله عز و جل: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، الخ»[١] معارضة بروايات أخرى تنص على أن الحج واجب في تمام مدة العمر مرة واحدة، و عمدة هذه الروايات صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «ما كلف اللّه العباد إلّا ما يطيقون، إنما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات، و كلفهم من كل مأتي درهم خمسة دراهم، و كلفهم صيام شهر في السنة، و كلفهم حجّة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك- الحديث»[٢] و بما أن دلالة هذه الصحيحة على وجوب الحج في فترة العمر كلا مرة واحدة أظهر من دلالة تلك الروايات على وجوبه على أهل الثراء و المال في كل عام، فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهورها و حملها على أصل الثبوت و المشروعية. و دعوى ان كلمة الفرض ناصة في الوجوب فلا يمكن حملها على الاستحباب، مدفوعة بأنها ناصة في الثبوت و ظاهرة في الوجوب، فلا مانع من حملها على أصل الثبوت و الاستحباب إذا قامت القرينة على ذلك.
و بذلك يظهر انه لا وجه لحمل تلك الروايات مرة على الواجب الكفائي، و أخرى على أن الحج واجب في كل سنة قمرية ردا على الجاهلية حيث أنهم يتركون الحج في بعض السنين القمرية على أساس أنهم يعدون السنة بالحساب الشمسي. اما الأول، فلما ذكرناه في علم الأصول من أن الوجوب الكفائي كالوجوب العيني مجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المقدر وجوده في الخارج، و يتعدد الوجوب بتعدده فيه، و لكنه في الكفائي محدود بعدم قيام الآخر بامتثاله، فاذا قام ينتفى الحكم عنه بانتفاء موضوعه كدفن الميت و كفنه و غسله و ما شاكل ذلك، و من المعلوم أن هذا الضابط لا ينطبق على وجوب الحج، فان قيام بعض من أهل الجدة بامتثاله لا يوجب سقوطه عن الآخر بسقوط موضوعه. و أما الثاني، فلأنه بحاجة الى قرينة و لا قرينة عليه،
[١] الوسائل باب: ٢ من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث: ١.
[٢] الوسائل باب: ١ من أبواب مقدمة العبادات الحديث: ٣٧.