تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٠٩ - الثالث الاستطاعة من حيث المال و صحة البدن و قوته و تخلية السرب
..........
و بكلمة: ان صحة العبادة متقومة بعنصرين: أحدهما محبوبيتها في نفسها، و الآخر اتيانها مضافة الى المولى سبحانه و تعالى. و الفرض أن الحج واجد للعنصر الأول، فاذا أتى المكلف به مضافا إليه تعالى بأمل أن يقبل اللّه سبحانه منه كان واجدا لكلا العنصرين، فلذلك يحكم بصحته، سواء أ كان الداعي لذلك قصد أمره الوجوبي أو الندبي، فانه خارج عن العبادة و واجباتها، فاذا اعتقد المكلف أن الأمر المتعلق به ندبي و قد دعاه الى الاتيان به مضافا إليه تعالى فاذا أتى به كذلك صح و إن انكشف بعد ذلك ان الأمر المتعلق به في الواقع وجوبي لا ندبي، فاذن لا شبهة في صحة حجه بعنوان حجة الإسلام لانطباقها عليه على أساس أنها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع، و الفرض انطباق هذا العنوان على هذه الحجة و إن لم يكن ملتفتا إليه حيث أنه عنوان عام لكل انواع الحج الواجب بالاستطاعة من التمتع و الإفراد و القران، و لا يجب على المتمتع قصد هذا العنوان.
هذا كله شريطة أن يقصد اسمه الخاص و هو حجة الإسلام و لو اجمالا، أي بعنوان انه وظيفته الاسلامية و إن ظن ان الأمر المتعلق به استحبابي، مع أنه في الواقع وجوبي جهلا منه بالحال. و أما إذا قصد بعنوان أنه مستحب لا بعنوان أنه وظيفته الاسلامية، فلا يصح لا بعنوان الحج المندوب لانتفاء الموضوع، باعتبار أنه مستطيع في الواقع، و لا يكون الحج المندوب مشروعا في حقه و لا بعنوان حجة الإسلام لانتفاء القصد، و لا يقاس المقام بالصلاة، فان من أتى بصلاتي الظهرين- مثلا- ندبا باعتقاد أنه غير بالغ، ثم بان أنه كان بالغا حين الاتيان بهما صحّتا فريضة، و ذلك لأن الظهر أو العصر أو نحوه اسم للصلاة الواجبة و المستحبة، و هذا بخلاف حجة الإسلام، فانها اسم للحجة الأولى للمستطيع فقط دون الأعم منها و من الحجة المندوبة، و من هنا لا بد من الاتيان بها باسمها الخاص المميز لها شرعا، و الّا لم تقع حجة الإسلام، و به يظهر حال ما بعده.