تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٧٦ - الثالث الاستطاعة من حيث المال و صحة البدن و قوته و تخلية السرب
..........
الثالث: التمكن بعد الانفاق على سفر الحج و العود الى بلده من استيناف وضعه المعاشى الطبيعي و بدون الوقوع في حرج بسبب نفقات الحج.
و الاستطاعة تتكون من هذه العناصر الثلاثة، فاذا توفرت تلك العناصر في شخص وجب عليه الحج، سواء أ كان هناك واجب آخر مضاد له أم لا، فان وجوب واجب آخر لا يمنع عن وجوب الحج لفرض ان وجوبه غير مرتبط بعدم وجوب واجب آخر، بل هو مرتبط بتوفر تلك العناصر، و المفروض أنها متوفرة عنده، و هذا هو معنى ما ذكرناه من أن المتفاهم العرفي من الاستطاعة القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري لا الأعم منه و من الاختياري، لأن العجز الاختياري عين التمكن و القدرة، فلا ينافيها فإنّه معلول للقدرة و التمكن، هذا كله شريطه أن لا يقع في العسر و الحرج بسبب الحج، و الّا فلا وجوب.
إلى هنا قد تبين ان الاستطاعة بمعناها اللغوي و العرفي و هي القدرة التكوينية معتبرة شرعا في وجوب الحج، فإن أخذها في لسان الآية الشريفة و الروايات من قبل المولى يدل على أنها دخيلة في الحكم و الملاك معا، و هذا يعني أنها كما تكون من شروط الوجوب في مرحلة الاعتبار تكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادئ، و النكتة في ذلك أن تصدي المولى لأخذها في لسان الدليل رغم ان العقل مستقل باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبح تكليف العاجز يدل على انه لا يمكن ان يكون تأكيدا لحكم العقل فقط و ابرازا لما هو مبرز في نفسه و الّا لكان لغوا و جزافا، حيث لا حاجة الى هذا التأكيد، فاذن لا محالة يكون تصديه قرينة على أنه بصدد افادة معنى زائد على ما هو ثابت بحكم العقل، و هو ليس الا دخلها في الملاك و أنه بدونها فلا ملاك للحكم، و بذلك تمتاز القدرة الشرعية عن القدرة العقلية، فان الأولى دخيلة في الحكم و الملاك معا، و الثانية دخيلة في الحكم فقط باعتبار أن الحاكم باشتراطها انما هو العقل على أساس قبح تكليف العاجز و الفرض انه لا طريق له الى ملاكات الأحكام في مرحلة المبادي.