تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٧٢
..........
صرفها في الوفاء بالثانية، و قد مر أنه لا واقع لهذا التوهم أصلا، و على هذا الأساس فلا مانع من كون الإجارة الثانية مشمولة لإطلاق دليل الامضاء في نفسها، فاذن يقع التعارض بين شمول الاطلاق للإجارة الأولى، و شموله للإجارة الثانية، فيسقطان معا من جهة المعارضة، و حينئذ فلا دليل على صحة شيء منهما.
و بكلمة: إن نسبة اطلاق دليل الامضاء بالنسبة إلى كل من الإجارتين على حد سواء، و لا مانع من شموله لكل منهما في نفسها، كما اذا كانتا في عرض واحد، اذ لا أثر للسبق الزمني- كما مر-. و لكن لا يمكن شموله لكلتيهما معا للتعارض.
لحد الآن قد تبين أن بطلان الاجارة الثانية مبني على نقطة خاطئة، و هي أن صحة الاجارة مشروطة بالقدرة المطلقة على الوفاء بها لا القدرة الخاصة في ظرف الوفاء و العمل، و لكن قد مر أن الأمر ليس كذلك، و أنها مشروطة بالقدرة الخاصة، اي القدرة في ظرف العمل لا القدرة المطلقة، فاذا كان الموجر عاجزا حين الاجارة لم يجب عليه تحصيل القدرة على الوفاء بها في ظرفها، فان تمكن من الوفاء بها وجب، و الّا انكشف عن بطلانها من الأول. نعم لو كانت الاجارة الثانية في زمن تنجز وجوب الوفاء بالاجارة الأولى و تسليم العمل المستأجر عليه و أدائه كانت باطلة، لأن وجوب التسليم اذا صار فعليا و منجزا كان معجزا مولويا عن الوفاء بالاجارة الثانية، هذا كله اذا كانت الاجارة الثانية مشروطة بالمباشرة، و الّا فلا مانع من الحكم بصحة كلتا الاجارتين، لأن الموجر قادر على الوفاء بهما معا، غاية الأمر على الأولى بالمباشرة، و على الثانية بالتسبيب.
ثم إنه لا فرق في صحة الإجارة على الجامع بين أن يكون الموجر قادرا على القيام المباشر بالعمل أو لا، أما على الأول فظاهر، و كذلك على الثاني، لأن الجامع مقدور بالقدرة على أحد أفراده، و من هنا تصح اجارة الأعمى على قراءة القرآن اذا لم يشترط قيامه المباشر بالقراءة و اجارة الجنب لكنس المسجد اذا لم