تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٧١
..........
الوفاء بالاجارة الثانية، فلا يكون الوفاء بها مقدورا له شرعا، فلذلك تبطل.
مثال ذلك: اذا أجار شخص نفسه للحج في سنة معينة من زيد، ثم بعد ذلك أجار نفسه للحج في نفس هذه السنة من خالد، فان وجوب الوفاء بالإجارة الأولى إن كان مرده إلى الزام المؤجر بالوفاء بها في ظرفها مطلقا و لو بالحفاظ على قدرته الى وقت الوفاء بها و عدم تفويتها، بل تحصيلها اذا كان فاقدا لها كان معجزا مولويا عن صرف قدرته في الوفاء بالاجارة الثانية، فيكون متعلقها غير مقدور له شرعا، فلذلك تبطل.
و لكن من الواضح ان هذا مجرد افتراض لا واقع له، حيث انه مبني على أن يكون وجوب الوفاء بالاجارة الأولى فعليا و منجزا، فحينئذ يكون مانعا عن الاجارة الثانية بالمنع عن تحقق موضوعها، مع ان الأمر ليس كذلك، فان وجوب الوفاء بها مشروط بالقدرة عليه في ظرفه، و من المعلوم أن هذا الوجوب المشروط لا يكون مانعا عنها، أو فقل: إن ذلك مبني على أن تكون الإجارة الأولى مشمولة لإطلاق دليل الامضاء فعلا و منجزا، و من الواضح أن الأمر ليس كذلك لوضوح أنها مشمولة له مشروطة بالقدرة على الوفاء بها في ظرفه لا مطلقا، و الّا فلا تكون مشمولة له من الأول، و على هذا ففي المثال المتقدم اذا كان الأجير قادرا على الحج بكامل واجباته في وقته و موسمه كان اطلاقه شاملا لها، و إلا انكشف عن عدم شموله لها من الأول، حيث قد مر أن القدرة المعتبرة فيه انما هي القدرة الخاصة و هي القدرة في ظرف العمل لا مطلقا، فاذن لا يكون الموجر في المقام ملزما بصرف قدرته على الوفاء بالاجارة الأولى و الحفاظ عليها لأجلها، بل له تفويت هذه القدرة و صرفها في شيء آخر قبل وقت الوفاء بها.
فالنتيجة: إن متعلق الاجارة الثانية مقدور للأجير عقلا و شرعا، أما عقلا فهو واضح، و أما شرعا فلعدم المانع الشرعي منه فعلا، لأن المانع الشرعي المتوهم في المقام كما عرفتم هو أن وجوب الوفاء بالاجارة الأولى يقتضي منع