تفسير أبي الجارود و مسنده - على زاده، على شاه - الصفحة ٢٧٠ - ٣ - كتاب الحجة
" أفرِجوا فَإنَّها رَسولُ قَومٍ يُقالُ لَهُم: بَنو عامِرٍ".
فَجاءتِ الحَيّةُ حَتّى صَعِدَتِ المِنبَرَ ووَصَلَت إلى أميرِ المُؤمنينَ عليه السلام، ووَضَعَت فاها على اذُنِهِ وَالنّاسُ يَنظُرونَ إلَيها، وإنّها تُسارّهُ إسراراً وتُنَقنِقُ كَتَنَقنُقِ الطَّيرِ، ثُمّ كَلّمَها بِكَلامٍ يُشبِهُ نَقيقَها، ثُمّ وَلَّت الحَيّةُ خارِجَةً مِن حَيثُ دَخَلَت، ونَزَلَ أميرُ المُؤمِنينَ عَنِ المِنبَرِ.
فَقالوا لَه: ماذا أرادَتِ الحَيَّةُ يا أميرَ المُؤمِنينَ، وما حالها؟
فقالَ:" هذِهِ الحَيّةُ رَسولُ قَومٍ منَ الجِنِّ، يقالُ لَهُم: بَنو عامِرٍ، أخبَرَتني أنّهُ وَقَعَ بَينَهُم وبَينَ قَومٍ- يُقالُ لَهُم: بَنو عَنتَرَةَ- شَرٌّ وقِتالٌ، فبَعَثوا إلَيَّ هذِهِ الحَيّةَ يَسألونّي الإصلاحَ بَينَهُم، فَوَعَدتُهم بِذلِكَ وأنا آتيهِمُ اللَّيلَةَ".
قالوا: يا أميرَ المُؤمِنينَ ائذَن لَنا أن نَخرُجَ مَعَكَ، قالَ:" أنا لا أكرَهُ ذلِكَ".
فلَمّا صَلّى بِهِمُ العِشاءَ الآخِرَةَ انطَلَقَ وَالنّاسُ حَولَهُ، حَتّى أتى بِهِم ظَهرَ الكوفَةِ في غَرِبيِّها، فَخَطَّ عَلَيهِم خِطَّةً ثمَّ قالَ لَهُم": إيّاكُم أن تَخرُجوا مِن هذِهِ الخِطّة".
فقَعَدوا في الخِطَّةِ وهُم يَنظُرونَ إلَيهِ وقَد نُصِبَ مِنبَرٌ فَصَعِدَ عَلَيهِ، ثُمّ خَطَبَ خُطبةً لَم يَسمَعِ الأوّلونَ بِمِثلِها، ثُمّ لَم يَبرَح حَتّى أصلَحَ بَينَهُم وَاقتَدى بَعضُهُم بِبَعضٍ.
وأقبَلَ أميرُ المُؤمنينَ عليه السلام إلى أصحابِهِ وهُم يَنظُرونَ إلى الجِنِّ حَولَهُ يَميناً وشِمالًا، فَقالوا: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رَأينا عَجَباً في المُشاهَدَةِ! قالَ:" رَأيتُموهُم"؟
قالوا: نَعَم، قالَ:" فَصِفوهُم لي"، قالوا: هُم أقوامٌ شِبرٌ بِالطّولِ شَبيهٌ بِالزُّطِّ[١]، قالَ:
" صَدَقتُم فَقَد رَأيتُموهُم حَقّاً، إنَّهُم بُعِثوا يَستَغيثونّي فَأَغَثتُهُم، وكانَ بَينَهُم دِماءٌ فَخافوا أن يَتَفانَوا، فَأصلَحتُ بَينَهُم وقَرَّبتُ بَعضَهُم مِن بَعضٍ". فكانَ هذا مِن دَلائِلِهِ عليه السلام».[٢]
٣٧٨. الأمالي للطوسي: حدّثنا الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي (قدس اللَّه روحه)، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن جعفر الرزّاز أبي
[١]. الزُّطّ: هم جِنسٌ من السودان والهنود. النهاية: ج ٢ ص ٣٠٢( زطا).
[٢]. الهداية الكبرى، ص ١٤٧.