محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٠ - الخطبة الثانية
الصَّابِرِينَ" عنصر آخر يبرز هنا في حسم المعركة لصالح المسلمين والإسلام، وهو الطاعة للقيادة، وعدم مناقشة القيادة في اللحظات الحاسمة حيث القرار لا يحتمل مناقشة ولا يحتمل استشارة، على أن الرسول صلى الله عليه وآله والمعصوم عموما لا يمكن مناقشته على الإطلاق، ومن ناقش المعصوم في قراراته فهو من خلل في الإيمان." وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا ..." فإذا لم يكن اختلاف مع القيادة، ولم يكن اختلاف في الصفوف مثل ذلك عنصراً من العناصر المطلوبة، وذات الفاعلية في تحقيق النصر.
" يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ...." الناحية الإعلامية، وناحية خلق روح الحماس، وروح الاندفاع، عنصر آخر يبرز هنا ليشارك في تحقيق النصر.
هذه الآية الكريمة جاءت في سورة الأنفال والتي فيها تعقيبات كثيرة على واقعة بدر والتي ترسم خط تحقيق النصر:" وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ ...." وكل هذا الإعداد وكل هذه العناصر ليست لحاجة الله سبحانه وتعالى إلى مدد من الأرض وإلى اعتماد على الإنسان، ولكن التجربة هي تجربة الإنسان، المطلوب أن يتربى الإنسان من خلال تجربته الأرضية، فلا بد أن تكون له مشاركة، ولا بد أن يكون له جهد، ولا بد أن يكون له تفكير، تخطيط، وتدبير وبناء سياسي واجتماعي واقتصادي، وهو من خلال هذه التجربة والحركة يتربى وينصنع لذلك كتبت هذه العوامل على كل مؤمن وهو يطلب تحقيق النصر ولذلك جاء" إن تنصروا الله ينصركم ..." ولم يتبرع الغيب بالنصر ابتداءا، وإنما جعل مقدمة الفيض بالنصر هو ان ينصر الناسُ الله، أي دين الله، ينصروا الحق يقوموا بواجبهم، يجاهدوا ما أمكنهم الجهاد.
نجد مزاوجة بين الغيب والواقع في وعي الإنسان المسلم وشعوره وكل حياته، هكذا ربى القرآن المسلم، بأن زاوج في وعيه بين الواقع والغيب، وأن إيمانه بالغيب لا يعفيه عن الحركة في الواقع، وان حركته في الواقع لا تمثل علة الأشياء وعلّة تحقيق النصر، وإنما تنتهي