محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٣ - الخطبة الثانية
الحديث الشريف.
وإذا كان بعض خير الوطن قد لا يعم، وقد يستأثر به، فإن شرّه لا بد أن يعم، ويدخل بالخسران على الجميع.
ومن أسرع ما يعم به البلاء أن تتصدع الوحدة الوطنية، ويتهلهل النسيج الاجتماعي فاقدا الحد الضروري من التماسك والإنشداد. وشحن القلوب بالأحقاد، وسوء الظن، وانهدام الثقة لتحل قاعدة الشك والريبة في التعامل محلها، طريق قصير واصل لأسوأ التمزقات.
ثانيا: الخلاف لا بد منه في البيت الواحد، وفي المؤسسة الاقتصادية، و الثقافية والاجتماعية الواحدة وفي الدوائر الأخرى من عالم الاجتماع في حياة الناس وقد تختلف أنت مع نفسك، وقد أختلف أنا مع نفسي. أنا هذه اللحظة على رأي وخاطرة، ثم ما أن تمر لحظة واحدة، حتى يكون لي الرأي الثاني، ولا يكاد يكون مخرج في أي من هذه الدوائر من كل أنواع الخلاف، وإن أمكن التقليل من ظواهره وأثارها.
فالتفكير ينصب كثيرا على الالتزام بأدب الخلاف وكيفية تطويقه والتقليل من أثاره، وسدّ أبوابه الحاضرة، والاحتراس من منافذه المستجدة بقدر الإمكان، ولا يصح بحال أن يُتَّجه للتأجيج، وإشعال الفتن، وصب مزيد من الوقود على النار.
ومن أهمه أمر نفسه، فليهمه أمر غيره، وهو يركب معه في سفينة واحدة، ولئن كانت المسافة بعيدة في الانتقال من مجتمع الفوضى إلى مجتمع الاستقرار، فإن المسافة قصيرة جداً للانتقال من مجتمع الاستقرار إلى مجتمع الفوضى، وشيء يسير من المواقف المثيرة والكلمات الاستفزازية من هذا الطرف أو ذاك كاف جدا لأحداث نقلة عاجلة بالمجتمع من الأمن إلى الخوف، ومن الاستقرار إلى الاطّراب، ومن التلاحم إلى التشرذم والتمزق الشنيع.