محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٥ - الخطبة الأولى
مما هو أشد من القتل؟! مما القبر خير منه؟! أيقف الإسلام نظاماً، أيقف الإسلام رجالا، أيقف الإسلام تطبيقا، من كل ذلك موقف مكتوف اليد؟! أم إنّ الإسلام يقف الموقف الجاد على مستوى العقيدة؟ وعلى مستوى الشعور، وعلى مستوى التربية، وعلى مستوى التحشيد العملي، على مستوى التعبئة الاجتماعية العامة في مواجهة مع الموت الأكبر، مع ما هو أشد من القتل؟ مع ما القبر خير منه؟!
الإسلام يقف بكل قوة في وجه الفقر الذي يعد في الوطن غربة. وهل يرضى الاسلام لأبنائه أن يعيشوا بشعور الغربة وشعور الكآبة وشعور الوحشة وشعور فقد الاستقرار حتى في الوطن؟! وهل يرضى لأبنائه أن يعيشوا حياةً هي أشد من الموت الأكبر ... هي أشد من القتل؟! حتى يتمنوا أن يذهبوا إلى القبور بدل أن يكونوا على ظهر الأرض للفقر؟! الرساليون أيضاً كما تهمّهم كل هذه المشاكل، يهمهم أمر الفقر الذي قد يزيد عليها. فالمجتمع المؤمن لا يكون مجتمعاً مؤمناً، والرساليون لا يكونون رساليين فعلًا حتى يحملوا من هم الفقير ما يحملونه من هم أمام الموت الأكبر، أمام ما هو أشد من القتل، أمام الغربة في الوطن، أمام ما القبر أحسن حالًا منه.
الفقر والشخصية الإنسانية:
عن أمير المؤمنين (ع) في نصيحته لابنه الإمام الحسن (ع)" لا تلم إنساناً يطلب قوته، فمن عدم قوته كثر خطاياه، يا بني الفقير حقير لا يسمع كلامه- الإمام (ع) لا يقرر أن الفقير حقير في ذاته، وانما يقرر أن الفقير برغم علو ذاته وسمو ذاته يراه المجتمع حقيراً. ولا يريد (ع) لمؤمن أن تنتهبه العيون على أنه موجود حقير-، ولا يُعرف مقامه-. لو كان الفقير صادقاً يسمونه كاذباً، ولو كان زاهداً يسمونه جاهلًا، يا بني من ابتلي بالفقر ابتلى بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقة في دينه، وقلة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر". الفقر يتغلغل بأثره القاتل إلى أعماق إنسانية الانسان، إلى مراكز