محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٠ - الخطبة الأولى
يقول: (النَّاس أبناء الدنيا والولد مطبوع على حب أمه) (علي. (ع). أنا ليس لي خيار في أن أحب أمي أو لا أحبها، مجبول بطبيعتي على أن أحبّ أمي، وإذا كنّا أبناء هذه الأرض، وأبناء هذه الدنيا وقد خرجنا من رحمها فلا بد أن نحبها، ولا بد أن تهفو نفوسنا إليها، فإذن الإسلام لا يؤاخذنا على حب الدنيا في أصله. والله عز وجل هو الذي خلق الدنيا؛ هذه الطبيعة والأحياء فيها، وشهواتها، وزينتها، والله عز وجل لا يخلق شراً، تنزّه الله سبحانه وتعالى عن أن يخلق الشر، وما خلقه إلا الخير، وحاشا الله عز وجل أن يذمّ ما خلقه.
خلق الله إبليس ليس شرّاً، ولا يمكن أن يذمّ الله عز وجل خلقه لإبليس، وإن كان الذمّ منه جلا وعلا ينصبّ على فعل إبليس الذي اختاره. فرق بين خلق إبليس، وبين ما يختاره إبليس من شر، الشر من جهة إبليس والله عز وجل أعطاه القدرة كالإنسان على أن يختار الخير أو الشر وبإرادته اختار الشر، فهو الفاعل له، والله عز وجل متكرم على إبليس بالوجود، وفعل الشر من إبليس الذي يؤول إليه أمر هذا المخلوق أيضاً هو حكمة أخرى من حكم الله عزّ وجل، ذلك لأن حياة الإنسان تقوم على الابتلاء والشر الذي يفعله إبليس ما هو إلا الشيء الداخل في امتحان الإنسان وابتلائه. فلا نرتقب إذاً من الدنيا بطبيعتها، ومن الدنيا بوصفها التكويني، ودورها الشرعي أن تكون مذمومة في الإسلام مقبحة، وإذا كان هناك ذمّ للدنيا وتقبيح فهو لحيثية أخرى من الدنيا غير هذه الحيثية.
الحديثان السابقان يرفعان اللوم عن الإنسان أن يحبّ أمه الدنيا والأرض، أما الحديث الآتي فيقول:
٢. (رأس كلّ خطيئة حب الدنيا). وإذا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة فكيف لا يلام عليه؟! هناك لا لوم على حب الدنيا، وهنا (رأس كلّ خطيئة حب الدنيا) وما كان