محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٩ - الخطبة الأولى
رأس الخلائق يُعلم بأنه من أهل الفحشاء. ومن تحذّر اليوم أن يعرف بأنه من أهل الفحشاء في عشرة أو عشرين، من قومه وأهله حقّ عليه أن يحذر من معرفته بفحشائه يوم القيامة من الخلائق أجمعين، وفيهم أشرف النّاس من نبيين ومرسلين، وأئمة معصومين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، ولا تجعل لنا في أهل المنكرات اسماً، واعصمنا من زلَّة القدم، ومن موجبات الندم، ولا تفضحنا يوم يقوم الحساب يا غفّار يا ستَّار يا كريم.
أما بعد فإن السلوك عند الإنسان تقف وراءه دوافعُ فطرية ثابتة، هي من صميم خلقته وثوابت وجوده في أجياله وأممه، والخوف والرجاء من أعمق هذه الدوافع التي قد توظّف في التربية والاجتماع والسياسة توظيفاً سليماً لبناء الإنسان وإصلاحه، أو توظيفاً سيّئاً لهدمه وإفساده، والسيطرة عليه واستغلاله.
والعقائد والأفكار قد تضع هذه الدوافع على الخط الصحيح، وقد تنحرف بوظيفتها. والدوافع تسمو وظيفة وأثراً في ضوء الفكرة النيرة، والعقيدة السليمة، والتصور الدقيق، وهي نفسُها يمكن أن تنطلق بالإنسان انطلاقة بهيمية مدمِّرة، وتنحدر به إنحدارة خطيرة لو كان التصورُ الذي يقف وراءها تصوراً خرافياً، والعقيدةُ عقيدة ساقطة.
وحال يكون التصور صائباً دقيقاً، والفكرة راقيةً تنطلق الدوافع المتقابلة كالخوف والرجاء في حالة من الانسجام والتوافق، لتنتهي بحركة الإنسان إلى الهدف الصحيح، وحال يكون التصور منحرفاً، والفكرة هابطة قد تنطلق بعض الدوافع طائشة بعنف، واندفاعة طاغية، في حين تُشلّ الدوافع المقابلة، لتفقد الحركةُ توازنها واتّساقها المطلوب، والذي لا بدّ منه في الحكمة من وراء هذه الدوافع، وعلى طريق تحقيق الهدف من وجودها وفاعليتها.
والتصور التوحيدي يمتنع أن تجاريَه فكرة أخرى صدقاً ورقيّاً وانعكاساً بالشفافية والسمو على مجموعة الدوافع، وجعلها منظومة متناغمة الأطراف، مولِّدة للحركة الصاعدة بالمستوى الفعلي لإنسانية الإنسان، من خلال المسار التوحيدي لذات الفرد والمجتمع، وهو