محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٥ - الخطبة الثانية
أيتها الصحافة لا تُخرجي البلد من الأمن إلى الخوف، ولا تُمزّقي وحدة الوطن، ولا تدّقي طبول الحرب بين الأخوة الآمنين، وإذا كنت مشفقة على أمن الوطن واقتصاده وتقدّمه كما هي الدعوى فما ترتكبينه من إثارة الفتنة، واستعداء الأخ على أخيه يُمثّل نقضاً صارخاً لدعوى الشفقة على الوطن وأهله، وإنها لتجارة وتجارة دنيوية أن تفعلي ذلك من أجل ربح أكثر ومن أجل استغلال أكبر. فإن الحرب تبدأ من خطأ الكلام، وفاحش اللفظ، وسيّء القول ولا أسوأ مما تفعله الصحافة بالوحدة الوطنية هذه الأيام.
من تشتمون، ومن ترمون، وعلى من تستعدون، ومن تتوعدون وتتهدون؟ من صوَّتوا للميثاق، واستقبلوا العهد الجديد بالأهازيج والأناشيد والاحتفالات البهيجة، والمسيرات المؤيدة؟ ومن قالوا قبل نعم لاستقلال البحرين؟! ومن لهم أخوة برهنوا على أشرف المواقف في غزو الكويت، وفي غزو لبنان، وفي الوقوف المخلص في خندق واحد مع الأشقاء الفلسطينيين ضدّ إسرائيل؟ ومن هم أصدق عند اللقاء دفاعاً عن الوطن من كثير من المنتفعين بأجواء السعة والرخاء؟! ومن يمتد وجودهم على ظهر هذه الأرض إلى ما قبل أيام الإسلام العظيم؟! من العرب الأقحاح، ومن لم يعرفوا لهم وطناً في الأرض كلها غير هذا الوطن؟! ولا يفكرون في وطن غيره؟!
فلتق صحافة الحرب الموهومة شرّها هذا البلد، ولتكفّ عن إثارة الفتنة حتى لا يحترق وطننا بنارها. وهل من بين أطراف الفتنة الداخلية مهزوم ومنتصر؟ لا فالكلّ من هذا الأطراف مهزوم والكلّ خاسر. تلك هي الجزائر، والصومال، وأفغانستان، وقبلها لُبنان شواهد شاخصة على أن الفتنة الداخلية لا ترحم أحداً ولا تستثني أحداً ولا تفتك بأحد دون أحد، وحتى أعتى قوّة لا تُسجل انتصاراً ساحقاً في الفتنة الداخلية؛ فتلك هي أرض فلسطين المغتصبة تحار فيها إسرائيل ذات القوّة الضارية الباطشة كيف توفر فيها الأمن للظالم دون المظلوم، وللقوي على حساب المستضعف.