محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧ - الخطبة الأولى
مقابل عظمة الله التي لا تقاس، وكماله الذي لا تبلغه العقول في قلب العابد فلا يرى له معبوداً غير الله، ولا مرجوّاً من دونه، ولا كبيراً سواه، فلا يَذّل إلا له، ولا يستكين إلا أمامه، ثم لا يستكبر لينصبّ نفسه ربّاً، ولا يتعالى زوراً حتى يرى نفسه إلاهاً، وبذلك تنقطع عبادة الطغاة، وينسد منبع المشاكل.
وإنّ الآيات لتؤكد أن لبّ العبادة وغرضها الأسمى ذكر الله وتقواه، وإنه مع ذكره سبحانه يصغر كل مذكور، وبمعرفته تنزل قيمة كل من عرف أو يُعرف، فعن الصلاة تقرأ (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، وعن الصوم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وقد جاءت الآيات الكريمة مركزةً على ذكر الله في مختلف مناسك الحج، وعلى ثمرة التقوى المترتبة عليه، فبشأن تلك الثمرة يقول سبحانه: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ .. إلى أن تقول الآية الكريمة .. وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ). وهذه بعض موارد من موارد كثيرة جاء فيها التركيز على ذكر الله في هذه الفريضة وما يدخل فيها من شعائر (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ)، هذه الحركة من عرفات إلى المزدلفة لا بد أن ترتبط بذكر الله أن تكون من أجل الله، المهم أن تمثل استجابة لأمر الله العظيم، المهم أن يتحرك القلب في الاتجاه الذي أمر الله سبحانه وتعالى، المطلوب أن تكون كل حركة وكل سكون استجابة خاضعة لله وحده.
شعائر الحج تجسيد لمسلك إيماني
(وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ..)، البدن وهي من الإبل، ما قيمتها أمام الإنسان؟ أين موقعها من الإنسان؟ تكتسب حرمة، تكتسب وزناً كبيراً ما دام الله عز وجل قد ربطها بطاعته وجعل سوقها ونحرها معلماً من معالم عبادته، ما قيمة ناقة صالح التي تعذب من أجلها أمة؟ إن المقتول هي الناقة، ولكن