نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٣ - سورة مريم
و ممّا يقوي ما قدّمناه أنّ زكريّا خاف بني عمّه فطلب وارثا لأجل خوفه، و لا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون النبوّة و العلم؛ لأنّه عليه السّلام كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّا من ليس بأهل للنبوّة و أن يورث علمه و حكمه من ليس أهلا لها، و لأنه إنّما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.
فإن قيل: فهذا يرجع عليكم في الخوف من وراثة المال؛ لأن ذلك غاية الضنّ و البخل.
قلنا: معاذ اللّه أن يستوي الحال؛ لأن المال قد يصحّ أن يرزقه اللّه تعالى المؤمن و الكافر، و العدوّ و الولي، و لا يصحّ ذلك في النبوّة و علومها. و ليس من الضنّ أن يأسى على بني عمه-و هم من أهل الفساد-أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، و يصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك هو غاية الحكمة و حسن التدبير في الدين؛ لأن الدين يحظر تقوية الفساق و إمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة، و ما يعد ذلك شحّا و لا بخلا إلاّ من لا تأمل له.
فإن قيل: فألاجاز أن يكون خاف من بني عمّه أن يرثوا علمه و هم من أهل الفساد على ما ادّعيتم، فيستفسدوا به الناس و يموهونه عليهم؟.
قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه و صحف حكمته؛ لأن ذلك قد يسمّى علما على طريق المجاز، أو أن يكون هو العلم الذي يحل القلوب، فإن كان الأول: فهو يرجع إلى معنى المال و يصحّح أن الأنبياء عليهم السّلام يورثون أموالهم و ما في معناها، و إن كان الثاني: لم يخل هذا العلم من أن يكون هو العلم الذي بعث النبيّ صلوات اللّه عليه بنشره و أدائه، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلّق بالشريعة، و لا يجب اطلاع جميع الأمة عليه، كعلم العواقب و ما يجري في المستقبل من الأوقات و ما جرى مجرى ذلك، و القسم الأول لا يجوز على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يخاف من وصوله إلى بني عمّه و هم من جملة أمّته الذين بعث إلى أن يطلعهم على ذلك و يؤديه إليهم، و كأنّه على هذا