نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦ - سورة ابراهيم
و رابعها: أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفّار لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم و إنذارهم وضعوا أيدي أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين إليهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام و الإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكت غيره، و منعه عن الكلام، من وضع إصبعه على في نفسه.
و خامسها: أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدي أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أي أنّهم كذّبوهم، و لم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، و الثانية للرسل؛ و الأيدي إنّما ذكرت مثلا و تأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أي وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره.
و سادسها: أنّ المراد بالأيدي النعم و «في» محمولة على الباء، و الهاء الثانية للقوم المكذّبين و التي قبلها للرّسل، و التقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أي ردّوا وعظهم و إنذارهم و تنبيههم على مصالحهم الذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.
و يجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الأيدي للقوم الكفّار، لأنّها نعم من اللّه تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم و حمل لفظة «في» على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، و رضيت عليك و حكي في لغة طيء: أدخلك اللّه بالجنة، يريدون في الجنة، فيعبّرون بالباء عن معنى «في» كذلك أيضا يصحّ أن يعبّروا بفي عن الباء؛ قال الشاعر:
و أرغب فيها عن لقيط و رهطه # و لكنّني عن سنبس لست أرغب
أراد: و أرغب بها فحمل «في» علي الباء.
و سابعها: و هو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر، و زعم أنّه أولى من غيره- قال: المضمرون في قوله: أَيْدِيَهُمْ الرسل، و كذلك المضمرون في «أفواههم» ، و المراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج و البيّنات التي ذكر اللّه تعالى أنّهم جاؤوا بها قومهم؛ و اليد في كلام العرب قد تقع على النعمة و على السلطان أيضا، و على الملك، و على العهد و العقد؛ و لكلّ ذلك شاهد من كلامهم؛ و الذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجّة و السلطان، و هو النعمة، و هو