نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥١ - سورة الفتح
و ليس لأحد أن يقول: إنّ سورة الفتح نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بين مكة و المدينة و قد انصرف من الحديبية، و قال قوم من المفسّرين: إنّ الفتح أراد به فتح خيبر؛ لأنّه كان تاليا لتلك الحال، و قال آخرون: بل أراد به أنّا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا، فكيف يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، و السورة قد نزلت قبل ذلك بمدة طويلة؟و ذلك أنّ السورة و إن كانت نزلت في الوقت الّذي ذكر و هو قبل فتح مكّة، فغير ممتنع ان يريد بقوله تعالى إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فتح مكّة، و يكون ذلك على طريق البشارة له و الحكم بأنّه سيدخل مكة و ينصره اللّه على أهلها، و لهذا نظائر في القرآن، و الكلام كثير.
و ممّا يقوي أنّ الفتح في السورة أراد به فتح مكّة قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاََ تَخََافُونَ فَعَلِمَ مََا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذََلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [١] فالفتح القريب ههنا هو فتح خيبر.
و أمّا حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر و مقتضى الآية؛ لأنّ الفتح بالإطلاق الظاهر منه الظفر و النصر. و يشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى: وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ نَصْراً عَزِيزاً .
فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلاّ إذا كان المصدر متعدّيا بنفسه، مثل قولهم: «أعجبني ضرب زيد عمرا» . و إضافة مصدر غير متعدّ إلى مفعوله غير معروفة.
قلنا: هذا تحكّم في اللسان و على أهله؛ لأنّهم في كتب العربية كلّها أطلقوا أنّ المصدر يضاف إلى الفاعل و المفعول معا، و لم يستثنوا متعدّيا من غيره، و لو كان بينهما فرق لبيّنوه و فصّلوه كما فعلوا في غيره، و ليس قلّة الاستعمال معتبرة في هذا الباب؛ لأنّ الكلام إذا كان له أصل في العربيّة استعمل عليه، و إن كان قليل الاستعمال. و بعد، فإنّ ذنبهم ههنا إليه إنّما هو صدّهم له عن المسجد الحرام و منعهم إيّاه عن دخوله، فمعنى الذنب متعدّ، و إذا كان معنى المصدر
[١] سورة الفتح، الآية: ٢٧.