نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٤ - سورة الفرقان
و غيره ممّا يتوقّف فيه معلوما له، و مثل هذه الأمور الظاهرة المنتشرة لا يرجع عنها بأخبار الآحاد خاصة.
فأما القرآن نفسه فدالّ على ذلك، و هو قوله تعالى: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً و لو كان أنزل جملة واحدة لقيل في جوابهم قد أنزل على ما اقترحتم، و لا يكون الجواب كذلك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَ رَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلاً .
و فسّر المفسّرون كلّهم ذلك بأن قالوا: المعنى إنّا أنزلناه كذلك أي متفرّقا يتمهل على أسماعه، و يتدرج إلى تلقّيه.
و الترتيل أيضا إنّما هو ورود الشيء في أثر الشيء، و صرف ذلك إلى العلم به غير صحيح؛ لأنّ الظاهر خلافه.
و لم يقل القوم لو لا أعلمنا بنزوله جملة واحدة، بل قالوا: لو لا أنزل إليك جملة واحدة، و جوابهم إذا كان أنزل كذلك أن يقال: قد كان الذي طلبتموه، و لا يحتج لإنزاله متفرّقا بما ورد بنزوله في تمام الآية.
فأمّا قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ فإنّما يدلّ على أنّ جنس القرآن نزل في هذا الشهر، و لا يدلّ على نزول الجميع فيه.
ألا ترى أنّ القائل يقول: كنت أقرأ اليوم القرآن، و سمعت فلانا يقرأ القرآن، فلا يريد جميع القرآن على العموم، و إنّما يريد الجنس.
و نظائره في اللغة لا تحصى، ألا ترى أنّ العرب يقول: هذه أيّام آكل فيها اللحم، و هذه أيام آكل فيها الثريد، و هو لا يعني جميع اللحم و أكل الثريد على العموم، بل يريد الجنس و النوع.
و قد استقصيت هذه النكتة في مواضع كثيرة من كلامي.
فأمّا قوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ [١] فلا ندري من أيّ وجه دلّ على أنّه أنزل جملة واحدة و قد كان أنّه رحمه اللّه يبيّن وجه
[١] سورة طه، الآية: ١١٤.