نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢ - سورة الأسراء
الآية لم يحصل، و أنّ الامتناع منه إنّما هو لفقد العلم به، و أنّ قوله تعالى: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً تبكيت و تقريع لم يقعا موقعهما؛ و إنّما هو على سبيل المحاجزة و المدافعة عن الجواب.
و في هذه الآية وجوه من التّأويل تبطل ما ظنّوه، و تدلّ على ما جهلوه:
أوّلها: أنّه تعالى إنّما عدل عن جوابهم لعلمه بأنّ ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدّين، و أنّ الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا و عنادا؛ إذ كانوا بسؤالهم متعنّتين لا مستفيدين؛ و ليس هذا بمنكر؛ لأنّا قد نعلم في كثير من الأحوال ممّن يسألنا عن الشّيء أنّ العدول عن جوابه أولى و أصلح في تدبيره.
و قد قيل إنّ اليهود قالت لكفار قريش: سلوا محمدا عن الرّوح فإن أجابكم فليس بنبيّ، و ان لم يجبكم فهو نبيّ؛ فإنّا نجد في كتبنا ذلك؛ فأمره اللّه تعالى بالعدول عن ذلك ليكون علما و دلالة على صدقه، و تكذيبا لليهود الرادّين عليه؛ و هذا جواب أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائيّ [١] .
و ثانيها: أنّ القوم إنّما سألوه عن الرّوح: هل هي محدثة مخلوقة أو ليست كذلك؟فأجابهم إنّها من أمر ربّي، و هو جوابهم عمّا سألوه عنه بعينه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول في الجواب: إنّها محدثة مخلوقة، و بين قوله إنّها من أمر ربّي؛ لأنّه إنّما أراد أنّها من فعله و خلقه، و سواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التي سألوا عنها هي التي بها قوام الجسد أو عيسى عليه السّلام، أم جبرئيل صلّى اللّه عليه. و قد سمّى اللّه جبرائيل روحا، و عيسى أيضا مسمّى بذلك في القرآن.
و ثالثها: أنّهم سألوا عن الرّوح الذي هو القرآن، و قد سمّى اللّه القرآن روحا في مواضع من الكتاب؛ فإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب
[١] حاشية بعض النسخ: «أبو علي من قرية يقال لها جبّاء؛ و هي من رستاق كاور من ناحية الأهواز، و يقال لأهل هذه الناحية الربعيون؛ لأنهم كانوا استنفروا ليقاتلوا الحسين عليه السّلام فجاؤوا و قد فرغ من أمره، فطلبوا الأجرة، فقال ابن زياد: إنكم لم تبلوا بلاء، و أعطى كل واحد منهم ربع دينار.
قال دامت أيامه: أخبرني بذلك العراقي البصري» . و كانت وفاة أبي علي هذا في سنة ٣٠٦.
(و انظر ترجمته في ابن خلكان: ٤٨١-٤٨٠) .
غ