نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢ - سورة الأسراء
و ليس لأحد أن يدّعي أنّ الظاهر من هذه اللفظة يقتضي التخصيص و أنّها إذا وردت لا تقتضيه كانت مجازا و عمل عليه بدلالة؛ لأنّ ذلك تحكّم من قائله.
و إذا عكس عليه و قيل له: بل التخصيص هو المجاز و ورودها مورد النعت و الوصف هو الحقيقة، لم يجد فصلا.
و وجه آخر: و هو أنّ الجنس إنّما يكون مفضلا على الجنس على أحد وجهين: إمّا بأن يكون كلّ عين من أعيانه أفضل من أعيان الجنس الآخر، أو بأن يكون الفضل في أعيانه أكثر، و ليس يجوز أن يفضّل الجنس على غيره بأن يكون فيه عين واحدة أفضل من كلّ عين في الجنس الآخر و باقيه خال من فضل، و يكون الجنس الآخر لكلّ عين منه فضلا و إن لم يبلغ إلى فضل تلك العين التي ذكرناها، و لهذا لا يجوز أن يفضّل أهل بغداد على أهل الكوفة إن كان في بغداد فاضل واحد أفضل من كلّ واحد من أهل الكوفة و باقي أهل بغداد لا فضل لهم، حتى كان كثير من أهل الكوفة ذوي فضل و إن لم يبلغوا إلى منزلة الفاضل الذي ذكرناه.
فإذا صحّت هذه المقدمة لم ينكر أنّ جنس بني آدم مفضول؛ لأنّ الفضل في الملائكة عامّ لجميعهم على مذهب أكثر الناس أو لأكثرهم، و الفضل في بني آدم مخصّص بقليل من كثير.
و على هذا لا ينكر أن يكون الأنبياء عليهم السّلام أفضل من الملائكة و إن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، للمعنى الذي ذكرناه، و لمّا تضمّنت الآية ذكر بني آدم على سبيل الجنسية وجب أن يفضّلوا على من عدا الملائكة، و لو ذكر الأنبياء بذكر يخصّهم ممّن عداهم ممّن ليس بذي فضل لفضلهم على الملائكة [١] .
و وجه آخر ممّا يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا: إنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت يقتضي أنّه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب، و إنّما أراد النعم
[١] الرسائل، ٢: ١٦٩ و أيضا، ١٦٢.