نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٣ - سورة الطّلاق
فإن قيل: كيف يرجع إلى الطلاق مع بعد ما بينهما؟قلنا: إذا لم يلق إلاّ بالطلاق وجب عوده إليه مع بعد و قرب.
فان قيل: أيّ فرق بينكم في حملكم هذا الشرط على الطلاق و هو بعيد منه في اللفظ، و ذلك مجاز و عدول عن الحقيقة؛ و بيننا إذا حملنا الأمر بالاشهاد هاهنا على الاستحباب؛ ليعود إلى الرجعة القريبة منه في ترتيب الكلام؟قلنا:
حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل، و ردّ الشرط إلى ما بعد عنه إذ لم يلق بما قرب ليس بعدول عن حقيقة و لا استعمال توسع و تجوز، و القرآن و الخطاب كلّه مملوّ من ذلك: قال اللّه جل ثناؤه: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (٨) `لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ [١] و التسبيح و هو متأخر في اللفظ-لا يليق إلاّ باللّه جلّ ثناؤه دون رسوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
[أقول: كذا تقرير الحجّة في «الانتصار» [٢] ؛ لكنّه في جوابات المسائل الموصليات الثالثة قرّره هكذا: ]
«إنّ الطلاق لا يقع إلاّ بشاهدين عدلين؛ و الحجّة على ذلك إجماع الفرقة المحقّة؛ و لأنّ اللّه تعالى قال: فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ [٣] فجعل الشهادة شرطا في الفرقة الّتي هي الطلاق لا محالة.
فان قيل: إنّما شرط الشهادة في الرجعة في قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ قلنا:
هذا غلط؛ لأنّ الأمر و الشهادة ملاصق لذكر الفرقه، و إليها أقرب من ذكر الرجعة، و ردّ الكلام إلى الاقرب اولى من ردّه إلى الأبعد، على أنّه ليس بمتناف أن يرجع إلى الرجعة و الفرقة معا، فيتمّ مرادنا، على أنّ الأمر بالشهادة يقتضي
[١] سورة الفتح، الآيتان: ٨، ٩.
[٢] الانتصار: ١٢٧ و راجع أيضا الناصريات: ٣٤٣.
[٣] سورة الطلاق، الآية: ٢.