نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٢ - سورة غافر
فأما الطريقة الثالثة الّتي وعدنا بذكرها في الكلام على الآيات الّتي اعتمدوها فهي، أن نقول لهم:
أنتم تشترطون في عموم آيات الوعيد التوبة و زيادة الثواب، و إنّما اشترطتموها لأنهما يؤثران في استحقاق العقاب، و معلوم أن العفو إذا وقع أسقط العقاب كإسقاط التوبة و زيادة الثواب له، فقد شارك العفو الشرطين اللذين ذكرتموهما في معناهما، فألا شرطتموه كما شرطتم ما يجري مجراه.
فإذا قالوا: الفرق بين الأمرين أن العقل يقتضي سقوط العقاب بالتوبة و زيادة الثواب، و ليس في العقل أن العفو قد يقع لا محالة.
قلنا: هذه مغالطة؛ و ذلك أن العقل كما يقتضي سقوط العقاب عند التوبة و زيادة الثواب، فكذلك يقتضي سقوطه عند وقوع العفو، و كما يجوّز العقل أن يعفو مالك العقاب و أن لا يعفو، فكذلك يجوّز أن يقع توبة أو يزيد ثواب كما يجوّز أن لا يكون ذلك، فيجب أن يقابلوا بين الوقوع و الوقوع في الأمرين و بين الحال قبل الوقوع، فإنّكم تجدون شرطنا مساويا لشرطيكم.
فإن كان على ما تزعمون ظاهر عموم الوعيد يقتضي أنه تعالى لا يختار العفو، فظاهر ذلك أيضا يقتضي أن أحدا لا يختار التوبة، و لا ما يزيد ثوابه على عقاب فاعله؛ لأنكم إنّما تنفون بالظاهر اختياره العفو ليسلم وقوع العقاب بمستحقّه، و هذا بعينه قائم في التوبة و زيادة الثواب، فألا كانت الظواهر مؤمّنة من عقابه.
فإن قالوا: لا فائدة في قوله تعالى: من لم يتب و لم يزد ثوابه عقابه و لم أعف عنه فإنّي أعاقبه؛ فإن ذلك معلوم و الضرورة تدعو إليه؛ فإن كلّ من لم يسقط عقابه بشيء من مسقطات العقاب لا بدّ من أن يكون معاقبا.
قلنا: قد يمكن في مستحقّ العقاب منزلة ثالثة بين أن يستوفي عقابه و بين أن يسقط عقابه؛ لأنه غير ممتنع أن يبقى العقاب في جنبه مستحقّا فلا يسقط و لا يستوفى، و إذا كان العقل مجوّزا ذلك جاز أن نستفيد بآيات الوعيد وقوع العقاب بمن لم يسقط عنه.
على أنا إذا سلمنا تبرّعا عدم الفائدة من ذلك فالفائدة إنّما تعدم مع استيفاء