نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٤ - سورة النّمل
و إنّما كان منه ما يدلّ على معنى هذا الخطاب، أضيف الخطاب إليه مجازا، و هو على مذهب العرب معروف، قد امتلأت به أشعارها و كلامها، فمنه قول الشاعر:
امتلأ الحوض و قال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني
و نحن نعلم أنّ الحوض لا يقول شيئا، و أنّه لمّا امتلأ و لم يبق فيه فضل لزيادة، صار كأنه قائل: حسبي فلم يبق فيّ فضل لشيء من الماء.
و قد تحاوروا هذا في قول الشاعر:
و أحصت لذي بال حين رأيته # و كبر للرحمن حين رآني
فقلت له أين الذي عهدتهم # بحينك في خصب و طيب زمان
فقال حصل و استودعوني بلادهم # و من ذا الذي يبقى على الحدثان
له بهذه المعاني المحكية عند رؤيته خاليا من أهله، حكى ما استفاده من هذه المعاني عنه توسّعا و تفاصحا.
و الوجه الآخر: أن يكون وقع من الهدهد كلام منظوم له هذه المعاني المحكية عنه بالهام اللّه تعالى له ذلك، على سبيل المعجزة لسليمان عليه السّلام كما جعل من معجزته فهمه لمنطق الطير و أغراضها في أصواتها.
و ليس بمنكر أن يقع الكلام الذي فيه بعض الأغراض ممّن ليس بعاقل و لا مكلّف. ألا ترى أنّ الصبي الذي لم يبلغ الحلم و لا دخل في التكليف قد يتكلّم بكلام فيه أغراض مفهومة و كذلك المجنون؟
و ليس يجب إذا حكى اللّه تعالى عن الهدهد ذلك الكلام المرتب المتسق أن يكون الهدهد نطق على هذا الترتيب و التنضيد، بل يجوز أن يكون نطق بما له ذلك المعنى، فحكاه اللّه تعالى بلفظ فصيح بليغ مرتّب مهذّب.
و على هذا الوجه يحكي العربي عن الفارسي، و الفارسي عن العربي، و إن كان الفارسي لا ينطق بالعربية.
و على هذا الوجه حكى اللّه تعالى عن الأمم الماضية من القبط و غيرهم، و عن موسى عليه السّلام و فرعون-و لغتهما لغة القبط-ما حكاه من المراجعات