نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٢ - سورة الشعراء
و الجواب الثاني: أنّه تعالى لم يرد بذكر الجانّ في الآية الأخرى الحيّة؛ و إنّما أراد أحد الجنّ؛ فكأنّه تعالى خبّر بأنّ العصا صارت ثعبانا في الخلقة و عظم الجسم؛ و كانت مع ذلك كأحد الجنّ في هول المنظر و إفزاعها لمن شاهدها؛ و لهذا قال تعالى: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ .
و يمكن أن يكون في الآية تأويل آخر استخرجناه؛ إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما؛ و الوجه في تكلّفنا له ما بيّناه من الاستظهار في الحجّة، و أنّ التناقض الذي توهّم زائل على كل وجه؛ و هو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة صارت أولا بصفة الجانّ و على صورته، ثمّ صارت بصفة الثّعبان على تدريج، و لم تصر كذلك ضربة واحدة؛ فتتفق الآيتان على هذا التأويل، و لا يختلف حكمهما، و تكون الآية الأولى تتضمّن ذكر الثعبان إخبارا عن غاية حال العصا، و تكون الآية الثانية تتضمّن ذكر الحال الّتي ولّى موسى فيها هاربا؛ و هي حال انقلاب العصا إلى خلقة الجانّ؛ و إن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصحّ ما ذكرتموه مع قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ ؛ و هذا يقتضي أنّها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟
قلنا: تفيد الآية ما ظنّ؛ و إنّما فائدة قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ الإخبار عن قرب الحال التي صارت فيها بتلك الصّفة، و أنّه لم يطل الزّمان في مصيرها كذلك، و يجري هذا مجرى قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [١] ؛ مع تباعد ما بين كونه نطفة و كونه خصيما مبينا، و قولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو في ضيعته، و سقط من أعلا الحائط فإذا هو في الأرض؛ و نحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله و بلوغه ضيعته زمانا، و أنّه لم يصل إليها إلاّ على تدريج؛ و كذلك الهابط من الحائط؛ و إنّما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزّمان؛ و أنه لم يطل و لم يمتدّ [٢] .
[١] سورة يس، الآية: ٧٧.
[٢] الأمالي، ١: ٥٢.