نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٢٠ - سورة الحجّ
في وزنها و في معنى البيت الّذي تقدّمه و على الوجه الّذي يقتضيه فائدته، و هو مع ذلك يظنّ أنّه من القصيدة الّتي ينشدها. و هذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على أنّ الموحى إليه من اللّه النازل بالوحي و تلاوة القرآن جبرائيل عليه السّلام، و كيف يجوز السهو عليه؟على أنّ بعض أهل العلم قد قال: يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله و كان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهى إلى قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى [١] و علم في قرب مكانه منه من قريش أنّه سيورد بعدها ما يسوأهم به فيهنّ، قال كالمعارض له و الرّادّ عليه: «تلك الغرانيق العلى و ان شفاعتهن لترتجى» فظنّ كثير ممّن حضر أنّ ذلك من قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و اشتبه عليهم الأمر؛ لأنّهم كانوا يلغون عند قراءته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و يكثر كلامهم و ضجاجهم طلبا لتغليطه و إخفاء قراءته.
و يمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة؛ لأنّهم كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة، و يسمعون قراءته و يلغون فيها.
و قيل أيضا: إنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان إذا تلا القرآن على قريش توقّف في فصول الآيات و أتى بكلام على سبيل الحجاج لهم، فلمّا تلا أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى (١٩) وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرىََ (٢٠) قال: «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» على سبيل الانكار عليهم، و أنّ الأمر بخلاف ما ظنّوه من ذلك.
و ليس يمتنع ان يكون هذا في الصلاة؛ لأنّ الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا، و إنّما نسخ من بعد.
و قيل: إنّ المراد بالغرانيق الملائكة، و قد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوّهم المشركون أنّه يريد آلهتهم.
و قيل: إنّ ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ فلمّا ظنّ المشركون أنّ المراد به آلهتهم نسخت تلاوته.
و كلّ هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله: إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي
[١] سورة النجم، الآية: ١٩.