نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٦ - سورة الحجّ
و قال قوم: إنّ أصل اشتقاق هذه الكلمة من الرجوع، و منه قوله تعالى:
وَ بََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ [١] أي رجعوا منه، و قول الحارث بن جواد:
بوأ... فعل كليب [٢]
أي أرجع بذلك.
فلمّا جعل اللّه تعالى البيت منزلا و مزيلا و ملاذا و مرجعا لإبراهيم، جاز أن يقول: «بوأه» .
فأمّا قوله تعالى: تُشْرِكْ بِي شَيْئاً قال قوم: معناه و قلنا له لا تشرك بي شيئا، و أجرى مجرى قوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ (٢٣) `سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ (٢٤) [٣] و المعنى: قائلين سلام عليكم.
و الكلام مفتقر بلا شكّ إلى محذوف، و هذا الذي ذكرناه من حذف لفظة «و قلنا» يضعف من جهة أنّ ظاهر الاية تدلّ على تعلّق الكلام بعضه ببعض، و أنّ الغرض في تبوئة إبراهيم البيت ألاّ تشرك و أن تطهّر البيت للطائفين و القائمين.
و إذا كان هذا المعنى هو لم يطابقه أن يقدر لفظة «و قلنا» ثم يحذفها؛ لأنّ هذا التقدير يقع [٤] الكلام الثاني عن حكم الأوّل و يجعله أجنبيا منه. و الظاهر أنّه متعلّق به.
فالأولى أن يكون تقدير الكلام: و إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، لأن نقول له لا يشرك بي شيئا، فيصحّ معنى البيت و مطابقة البيت فيه، و هو تبوئة البيت.
فأمّا قوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ فقيل: إنّه أراد من عبادة الأوثان. و قيل:
من ذبائح المشركين و سائر الادناس، و الكلام يحتمل لكلّ ذلك.
فأمّا قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ فمعناه أعلمهم و أشعرهم بوجوبه و أعلمت و أذنت هاهنا بمعنى واحد، و الأذان بالصلاة هو الإعلام بدخول وقتها.
و قال قوم: إنّ أذان إبراهيم هو إذ وقف في المقام، فنادى: أيّها الناس أجيبوا
[١] سورة البقرة، الآية: ٦١.
[٢] كذا في المطبوعة.
[٣] سورة الرعد، الآية: ٢٣.
[٤] كذا و الظاهر: «يرفع» .