تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٠٢ - ودع ودع
و نَحْنُ وَدَعْنا آلَ عَمِرو بنِ عامِرٍ # فَرَائِسَ أَطْرَافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
و قالُوا: لَمْ يُدَعْ و لَمْ يُذَرْ شاذٌّ، و الأَعْرَفُ لم يُودَعْ و لَمْ يُوذَرْ، و هو القِيَاسُ و قُرِىءَ شاذًّا ما وَدَعَكَ رَبُّكَ و ما قَلَى [١] ، أَي ما تَرَكَكَ، و هي قِرَاءَةُ عُرْوَةَ و مُقَاتِلٍ، و قرَأَ أَبُو حَيْوَةَ و أَبُو البَرَهْسَمِ [٢] و ابنُ أَبِي عَبْلَةَ و يَزِيدُ النَّحْوِيُّ و الباقُونَ بالتَّشْدِيدِ، و المَعْنَى فيهِمَا واحِدٌ و هِي قِرَاءَتُه صلّى اللََّه عليه و سلّم فِيمَا رَوَى ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْهُ، و ١٦- جاءَ فِي الحَدِيثِ : «لَيَنْتَهِيَّنَ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِم الجُمُعاتِ أَو لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِن الغَافِلِينَ» رَوَاهُ ابنُ عَبّاسٍ أَيْضاً و قَالَ اللَّيْثُ: العَرَبُ لا تَقُولُ: ودَعْتُهُ فأَنَا وَادِعٌ ، أَي: تَرَكْتُه، و لََكِنْ يَقُولُونَ في الغابِرِ: يَدَعُ ، و في الأَمْرِ: دَعْه ، و فِي النَّهْيِ لا تَدَعْهُ ، و أَنْشَدَ:
و كانَ ما قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ # أَكْثَرَ نَفْعاً مِنَ الّذِي وَدَعُوا [٣]
يَعْنِي تَرَكُوا، و قالَ ابنُ جِنِّي: إِنّمَا هََذا عَلَى الضَّرُورَةِ؛ لأَنَّ الشّاعِرَ إِذا اضْطُرَّ جازَ لَهُ أَنْ يَنْطِقَ بما يُنْتِجُهُ القِيَاسُ، و إِنْ لَمْ يَرِدْ بهِ سَماعٌ، و أَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي الأَسْوَدِ السّابِقَ، قالَ: وَ عَلَيْهِ قراءَةُ «ما وَدَعَكَ » لأَنّ التَّرْكَ ضَرْبٌ مِنَ القِلَى، قال: فهََذا أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُعَلَّ باب اسْتَحْوَذَ، و اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ؛ لأَنَّ اسْتِعْمَالَ وَدَعَ مراجَعَةُ أَصْلٍ، و إِعْلالَ اسْتَحْوَذَ و اسْتَنْوَقَ -و نَحْوِهِما مِنَ المُصَحَّحِ-تَرْكُ أَصْلٍ، و بَيْنَ مُرَاجَعَةِ الأُصُولِ و تَرْكِهَا ما لا خَفاءَ بهِ، قالَ شَيْخُنَا-عِنْدَ قَوْلهِ: «و قَدْ أُمِيتَ ماضِيهِ» -قُلْتُ: هي عِبَارَةُ أَئِمَّةِ الصَّرْفِ قاطِبَةً، و أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ، و يُنَافِيه ما يَأْتِي بأَثَرِهِ مِنْ وُقُوعِهِ في الشِّعْرِ، و وُقُوعِ القَراءَةِ، فإِذا ثَبَتَ وُرُودُه-و لو قَلِيلاً-فكَيْفَ يُدَّعَى فِيهِ الإِماتَة؟قلت: و هََذا بعَيْنِه نَصُّ اللَّيْثِ، فإِنّه قالَ: و زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ العَرَبَ أَماتُوا مَصْدَرَ يَدَعُ و يَذَرُ، و اسْتَغْنَوْا عَنْه بتَرْكٍ، و النَّبِيُّ صلّى اللََّه عليه و سلّم أَفْصَحُ العَرَبِ، و قد رُوِيَتْ عَنْهُ هََذِه الكَلِمَةُ، قالَ ابنُ الأَثِيرِ: و إِنَّمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُم عَلَى قِلَّةِ اسْتِعْمَالِه، فهُوَ شاذٌّ في الاسْتِعْمَالِ، صَحِيحٌ فِي القِيَاسِ، و قد جاءَ في غَيْرِ حَدِيثٍ، حَتّى قُرِىءَ بهِ قولُه تَعالَى: مََا وَدَّعَكَ و هََذا غايَةُ ما فَتَحَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، فتَبَصَّرْ وَ كُنْ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ .
و وَدْعانُ : ع، قُرْبَ يَنْبُعَ و أَنْشَدَ اللَّيْثُ:
ببيضِ وَدْعَانَ بَسَاطٌ سِيٌ [٤]
و وَدْعَانُ : عَلَمٌ. وَ وَدَعَ الثَّوْبَ بالثَّوْبِ، كوَضَعَ ، فأَنَا أَدَعُه : صانَهُ عَنِ الغُبَارِ، قالَهُ ابنُ بُزُرْجَ.
وَ مَوْدُوعٌ : عَلَمٌ، و أَيْضاً: اسْمُ فَرَسَ هَرِمِ بنِ ضَمْضَمٍ المُرِّيّ، و كانَ هَرِمٌ قُتِلَ فِي حَرْب داحِس، و فيهِ تَقُولُ نائِحَتُه:
يا لَهْفَ نَفْسِي لَهْفَةَ المَفْجُوعِ # أَلاَّ أَرَى هَرِماً عَلَى مَوْدُوعِ [٥]
مِنْ أَجْلِ سَيِّدِنا و مَصْرَعِ جَنْبِه # عَلِقَ الفُؤادُ بحَنْظَلٍ مَصْدُوعِ
و قالَ الكِسائِيّ: يُقَال: أَوْدَعْتُه مالاً ، أَي: دَفَعْتُه إِلَيْهِ، ليَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَه.
قالَ: و أَوْدَعْتُه أَيْضاً ، أَيْ: قَبِلْتُ ما أَوْدَعَنِيهِ ، أَيْ ما جَعَلَه وَدِيعَةً عِنْدِي، ضِدٌّ ، هََكَذَا جاءَ به الكِسَائِيُّ في بابِ الأَضدادِ، و أَنْكَرَ الثّانِيَ شَمِرٌ، و قالَ أَبو حَاتِمٍ: لا أَعْرِفُهُ، قالَ الأَزْهَرِيُّ: إِلاّ أَنّه حَكَى [٦] عَنْ بَعْضِهِم: اسْتَوْدَعَنِي فُلانٌ بَعِيرًا.
فأَبَيْتُ أَنْ أُودِعَهُ ، أَي: أَقْبَلَهُ، قالَهُ ابنُ شُمَيْلٍ في كِتَابِ المَنْطِقِ، و الكِسَائِيُّ لا يَحْكِي عَنِ العَرَبِ شَيْئاً إِلاّ وَ قَدْ ضَبَطَهُ و حَفِظَه، و أَنْشَدَ:
يا ابْنَ أَبِي و يا بُنَيَّ أُمِّيَهْ # أَوْدَعْتُكَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ حَسْبِيَيهْ
و تَوْدِيعُ الثَّوْبِ: أَنْ تَجْعَلَهُ في صِوَانٍ يَصُونُهُ ، لا يَصِلُ إِليهِ غُبارٌ و لا رِيحٌ، نَقَلَهُ الأَزْهَرِيُّ.
و رَجُلٌ مُتَّدِعٌ ، بالإِدْغَامِ: صاحِبُ دَعَةٍ و رَاحَةٍ، كما فِي اللِّسَانِ.
[١] سورة الضحى الآية ٣ و قد أشرنا إلى أن قراءة الجمهور بالتشديد، و كلاهما بمعنى واحد.
[٢] عن المطبوعة الكويتية و بالأصل «أبو إبراهيم» .
[٣] البيت لأبي العتاهية.
[٤] للعجاج كما في معجم البلدان «ودعان» و ديوانه ص ٦٨.
[٥] البيت في معجم البلدان «مودوع» و اعتبره موضعاً في ديار بني مرة بن وبرة بن غطفان.
[٦] يفهم من عبارة التهذيب أن الذي حكى هو شمر و ليس بأبي حاتم.