تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٨٨ - صنع صنع
تُنْفِقُونَه في سَبِيلَ اللََّه. و قالَ الرَّاعِي:
و مَصْنَعَةٍ هُنَيْدَ أَعَنْتُ فِيها # عَلى لَذَّاتِهَا الثَّمِلَ المُبِينَا [١]
قالَ الأَصْمَعِيُّ: أَي مَدْعَاةٍ.
و المَصْنَعَةُ ، كالحَوْضِ أَو شِبْهُ الصِّهْرِيجِ يُجْمَع فِيها ، و في العُبَابِ فيه، و في الصّحاحِ: يَجْتَمِعُ فيهِ ماءُ المَطَرِ ، قال الأَصْمَعِيّ: المَصَانِعُ : مَسَاكَاتٌ لمَاءِ السَّمَاءِ يَحْتَفِرُهَا الناسُ، فيَملَؤُها ماءُ السَّمَاءِ، يَشْرَبُونها، و رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عن أَبِي عَمْرٍو، قال: الحِبْسُ: مثلُ المَصْنَعَةِ ، و تَضُمُّ نُونُهَا ، نَقَلَه الجَوْهَرِي، كالمَصْنَعِ ، كمَقْعَدٍ، نَقَلَه الصّاغانِيُّ و صاحِبُ اللِّسَانِ و المَصَانِعُ : الجَمْعُ ، أَي جَمْعُ المَصْنَعَةِ بلُغَتَيْه، و المَصْنَع ، و به فَسَّر بَعضُهم قولَه تَعالَى:
وَ تَتَّخِذُونَ مَصََانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [٢] .
و قالَ الأَصْمَعِيُّ: العَرَبُ تُسَمِّي القُرَى مَصَانِعَ ، وَاحِدَتُها مَصْنَعَةٌ ، و أَنْشَدَ لابْنِ مُقْبِلٍ:
كأَنَّ أَصْواتَ أَبْكَارِ الحَمامِ لَنَا # في كُلِّ مَحْنِيَةٍ منه يُغَنِّينَا
أَصْواتُ نِسْوَانِ أَنْبَاطٍ بمَصْنَعَةٍ # بَجَّدْنَ للنَّوْحِ فاجْتَبْنَ التَّبَابِينَا
و في الأَسَاسِ: تَقُولُ: هو مِنْ أَهْلِ المَصَانِعِ ، أَي القُرَى و الحَضَرِ، بجَّدْنَ: لَبِسْنَ البُجُدَ.
و المَصَانِعُ أَيضاً: المَبَانِي من القُصُورِ و الآبَارِ و غَيْرِهَا، قال لَبِيدٌ رَضِيَ اللََّه عنه:
بَلِينَا و مَا تَبْلَى النُّجُومُ الطَّوَالِعُ # و تَبْقَى الدِّيَارُ بَعْدَنَا و المَصَانِعُ
و المَصَانِعُ : الحُصُونُ ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ، قالَ ابنُ بَرِّي:
و شاهِدُهُ قَوْلُ البَعِيثِ:
بَنَى زِيَادٌ لِذِكْرِ اللََّه مَصْنَعَةً # من الحِجَارَةِ لم تُرْفَعْ من الطِّينِ
و قالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ: أَصْنَعَ : أَعانَ آخَرَ ، و قالَ ابنُ عَبّادٍ: أَصْنَعَ الأَخْرَقُ: تَعَلَّمَ و أَحْكَمَ ، هََكَذَا في العُبَابِو التَّكْمِلَةِ، و نَصُّ ابنِ الأَعْرَابِيِّ فِي النَّوَادِرِ: أَصْنَع الرَّجُلُ:
إِذا أَعانَ أَخْرَق [٣] ، فاشْتَبَه على ابْنِ عَبّادٍ، فقالَ «آخَرَ» ، ثم زاد مِنْ عِنْده: و أَصْنَع الأَخْرَقُ إِلى آخِرِه، و قَلَّدَه الصّاغانِيُّ من غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ لنَصِّ ابنِ الأَعْرَابِيِّ، و ما ذَكَرْنا هو الصَّوَابُ، و مثله في اللِّسَان.
و اصْطَنَع فُلانٌ عِنْدَه صَنِيعَةً ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ، أَي اتَّخَذَها. و التَّصَنُّعُ : تَكَلُّفُ الصَّلاَحِ و حُسْنِ السَّمْت، و إِظْهارُه، و التَّزَيُّنُ به ، و البَاطِنُ مَدْخُولٌ.
و المُصَانَعَةُ ، كُنِيَ بها عن الرِّشْوَة ، قالَهُ الرّاغِبُ و في الأَسَاسِ: هو مَأْخُوذٌ من مَعْنَى المُدَارَاة و المُداهَنَة [٤] ، يُقَال: صَانَعَ الوَالِيَ، إِذا رَشَاهُ. قال الجَوْهَرِيُّ: و فِي المَثَل «مَنْ صانَعَ بالمالِ لم يَحْتَشِمْ مِنْ طَلَبِ الحَاجَةِ» و يُقَالُ:
صانَعَةُ ، إِذا داراهُ و لاَ يَنَه و دَاهَنَه. و ١٧- في حَدِيثِ جابِرٍ «كانَ يُصانِعُ قائدَهُ» . أَي: يُدَارِيه. و أَصْلُ المُصَانَعَةِ : أَنْ تَصْنَع لَهُ شَيْئاً لِيَصْنَع لَكَ شَيْئاً آخَرَ، مُفَاعَلَةٌ من الصُّنْعِ ، و قال زُهَيْرُ بنُ أَبِي سُلْمَى:
و مَنْ لا يُصانِعْ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ # يُضَرَّسْ بأَنْيَابٍ و يُوطَأْ بِمَنْسِمِ
أَي مَنْ لَمْ يُدَارِ النّاسَ في أُمُورهِم غَلَبُوه، و قَهَرُوه، و أَذَلُّوه.
و من المَجَازِ: المُصَانَعَةُ في الفَرَسِ: أَنْ لا يُعْطِيَ جَمِيعَ ما عِنْدَه من السَّيْرِ، و له صَوْنٌ يَصُونُه الأَوْلَى حَذفُ الوَاوِ من «و لَهُ» فهو يُصَانِعُك ببَذْلِه سَيْرَهُ ، كما في العُبَابِ.
و في الأَسَاس: كأَنَّهُ يُوَافِي [٥] فيما يَبْذُل منه، و يَصُونُ بَعْضَه.
و منه: صَانَعْتُ فُلاناً: دارَيْتُه. قلتُ: فإِذَن المُصَانَعَةُ بمعْنَى الرِّشْوَةِ من مَجازِ المَجَازِ، فافْهَم و تَأَمَّلْ.
و الاصْطِناعُ: المُبَالَغةُ في إِصلاح الشَّيْءِ، قالَهُ الرّاغِبُ، قالَ: و مِنْهُ قولُه تعالَى: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [٦] تَأْوِيلُه:
[١] ديوانه ص ٢٦٨ و انظر تخريجه فيه، و فيه «المنينا» بدل «المبينا» .
[٢] سورة الشعراء الآية ١٢٩.
[٣] الذي في التهذيب: «أعان آخر» و بهامشه عن نسخة أخرى: «أخرق» كالأصل و اللسان.
[٤] كذا و الذي في الأساس: صانعت فلاناً إذا داريته، و منه المصانعة بالرشوة.
[٥] في الأساس: كأنه يرافقك بما يبذل منه.
[٦] سورة طه الآية ٤١.