تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٦ - جدع جدع
و قَالَ أَبُو الهَيْثَمِ: جَدَعْتُه فجَدِعَ ، كما تَقُول: ضَرَبَ الصَّقِيعُ النَّبَاتَ فضَرِبَ، و كَذََلِكَ صَقِعَ، و عَقَرْتُه فعَقِرَ، أَي سَقَطَ.
و جَدَعَتْه أُمُّه، كمَنَعَ: أَساءَتْ غِذَاءَهُ، عن الزَّجّاج، و نَقَلَهُ الجَوْهَرِيّ أَيْضاً، كأَجْدَعَتْهُ إِجْداعاً و جَدَّعَتْهُ تَجْدِيعاً ، و أَنْشَدَ ابنُ الأَعْرَابِيّ:
حَبَلَّقٌ جَدَّعَهُ الرِّعَاءُ
و يُرْوَى: أَجْدَعَهُ ، و هُوَ إِذا حَبَسَهُ عَلَى مَرْعى سَوْءٍ، و هََذا يُقَوِّي قَوْلَ أَبِي الهَيْثَمِ. المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ.
و جَدَاع ، كسَحَابٍ، و قَطامِ، و عَلَى الأَخِيرَةِ اقْتَصَر الجَوْهَرِيّ: السَّنَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَجْدَعُ بالمَال و تَذْهَبُ بِهِ، كما في العُبَابِ و الصّحاح. و في اللّسَان: تَذْهَبُ بكُلِّ شَيْءٍ، كأَنَّهَا تَجْدَعُهُ . و في الأَسَاسِ: و أَجْحَفَتْ بهم جَدَاع ، و هي السَّنَةُ، لِأَنَّهَا تَجْدَعُ النَّبَاتَ، و تُذِلُّ النّاسَ، و هو مَجَازٌ.
و في العُبَابِ: قَالَ أَبو حَنْبَلٍ الطّائِيُّ-و اسْمُه جَارِيَةُ بنُ مُرٍّ أَخُو بَنِي ثُعَلَ-:
لَقدْ آلَيْتُ أَغْدِرُ في جَدَاعِ # و إِنْ مُنِّيتُ أُمّاتِ الرِّباعِ
لِأَنَّ الغَدْرَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ # و أَنَّ المَرْءَ يَجْزَأُ بالكُرَاعِ
و قَوْلُهم في الدُّعاءِ عَلَى الإِنْسَانِ: جَدْعاً لَهُ، أَي أَلْزَمَهُ اللََّه الجَدْعَ ، قال الأَعْشَى:
دَعَوْتُ خَلِيلِي مِسْحَلاً و دَعَوْا لَهُ # جُهُنّامَ، جَدْعاً للْهَجينِ المُذَمَّمِ
و كَذََلِكَ عَقْراً له، نَصَبُوهُمَا في حَدِّ الدُّعَاءِ علَى إِضْمَارِ الفِعْلِ غَيْر المُسْتَعْمَلِ إِظْهَارُه.
و حَكَى سِيبَوَيْه: جَدَّعَهُ تَجْدِيعاً ، و عَقَّرَهُ تَعْقِيراً: قَالَ لَهُ ذََلِكَ، و منه ١٧- الحَدِيثُ : «فغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللََّه عنه فسَبَّ و جَدَّعَ » [١] . و مِنَ المَجَازِ: جَدَع القَحْطُ النَّبَاتَ: إِذا لمْ يَزْكُ، لانْقِطَاعِ الغَيْثِ عَنْهُ، قالَ ابنُ مُقْبِل:
و غَيْثٍ مَرِيعٍ لَمْ يُجَدَّعْ نَبَاتُهُ # وَلَتْهُ أَفانِينُ السِّمَاكَيْنِ، أَهْلَبِ
و حِمَارٌ مُجَدَّعٌ كمُعَظَّمٍ: مَقْطُوعُ الأُذُنَيْنِ، و في الصّحاح: مَقْطُوعُ الأُذُنِ.
قالَ الجَوْهَرِيّ: أَمّا قَوْلُ ذِي الخِرَقِ الطُّهَوِيّ:
أَتانِي كَلامُ التَّغْلبِيِّ ابنِ دَيْسَقٍ # ففِي أَيِّ هََذَا-وَيْلَهُ-يَتَتَرَّعُ؟
يَقُولُ الخَنَا، و أَبْغَضُ العُجْمِ نَاطِقاً # إِلَى رَبِّنَا صَوْتُ الحِمارِ اليُجَدَّعُ
فإِنَّ الأَخْفَشَ يَقُولُ: أَرادَ الَّذِي يُجَدَّع ، كما تَقُولُ: هو الْيَضْرِبُكَ [٢] ، تُرِيدُ هو الَّذِي، و هو مِنْ أَبْيَاتِ الكِتَابِ. و قالَ أَبُو بَكْرِ بنُ السَّرَّاجِ: لَمّا احْتَاجَ إِلى رَفْعِ القَافِيَةِ قَلَبَ الاسْمَ فِعْلاً، و هو من أَقْبَحِ ضَرُورَاتِ الشِّعْرِ، انتهى.
قُلْتُ: هََذانِ البَيْتانِ أَنْشَدَهُمَا أَبُو زَيْدٍ في نَوَادِرِه هََكَذَا لِذِي الخِرَقِ الطُّهَوِيّ عَلَى طارِق بنِ دَيْسَقٍ. و قالَ ابْنُ بَرِّيّ:
لَيْسَ بَيْتُ ذي الخِرَق هََذا مِنْ أَبْيَاتِ الكِتَابِ كَما ذَكَرَ الجَوْهَرِيّ، و إِنّما هُوَ في نَوَادِرِ أَبِي زَيْدٍ. قالَ الصّاغَانِيّ:
و لَمْ أَجِدِ البَيْتَ الثَّانِي في شِعْرِ ذِي الخِرَقِ، و قَدْ قَرَأْتُ شِعْرَه فِي أَشْعَارِ بَنِي طُهَيَّةَ بِنْتِ عُمَيْرِ بنِ سَعْد، و ها أَنَا أَسُوقُ القِطْعَةَ بِكَمَالِهَا، و هي:
أَتانِي كَلامُ التَّغْلبِيِّ ابنِ دَيْسَقٍ # ففِي أَيِّ هََذَا-وَيْلَهُ-يَتَتَرَّعُ
فهَلاَّ تَمَنَّاها إِذِ الحَرْبُ لاقِحٌ # و ذُو النَّبَوانِ قَبْرُه يَتَصَدَّعُ
فَيَأْتِيكَ حَيًّا دارِم و هُمَا مَعاً # و يَأْتِيكَ أَلْفٌ من طُهَيَّةَ أَقْرَعُ
فيَسْتَخْرِجُ اليَرْبُوعَ مِنْ نافِقائِهِ # و مِنْ جُحْرِهِ ذُو الشِّيحَةِ اليُتَقَصَّعُ
و نَحْنُ أَخَذْنا-قَدْ عَلِمْتُمْ-أَسِيرَكُم # يَساراً، فيُحْذَى مِنْ يَسَارٍ، و يُنْقَعُ
[١] تمامه في النهاية: و في حديث الصديق رض: «قال لابنه يا غُنْثَر فجدَّع و سبَّ» أَي خاصمه و ذمّه.
[٢] أدخل اللام على الفعل المضارع لمضارعه اللام الذي.