تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٢٤ - طلع طلع
تَعالَى: أَطَّلَعَ اَلْغَيْبَ [١] -: إِنَّه يَتَعَدَّى بنَفْسِه، و لا يَتَعَدَّى بَعلَى، كما تَوَهَّمَه بعضٌ، حَتّى يَكُونَ من الحَذْفِ و الإِيصالِ، نَقَلَه شيْخُنَا، ثُمَّ قالَ: و لََكن استَدَلَّ الشِّهَابُ في العِنَايَة بما للمُصَنِّفِ، فقال: لََكِن في القامُوسِ « اطَّلَع عَليْه» فكأَنَّهُ يَتَعَدَّى و لا يَتَعَدَّى، و الاسْتِدْلالُ بغير شَاهدٍ غيرُ مفِيدٍ. انْتَهَى.
قلتُ: الَّذِي صَرَّحَ به أَئِمَّةُ اللُّغَةِ أَنّ طَلَع عليه، و اطَّلَعَ عليه، و أَطْلَع عليه بمَعْنًى وَاحِدٍ، و اطَّلَعَ على بَاطِنِ أَمْرِهِ، و اطَّلَعَه : ظَهَرَ له و عَلِمَه، فهو يَتَعَدَّى بنَفْسِه و بعَلَى، كما فِي اللِّسَانِ بهََؤُلاءِ قُدْوَةً، لا سِيَّما الجَوْهَرِيّ إِذا قالَتْ حَذامِ، فلا عِبْرَةَ بقَوْلهِ: و الاسْتِدْلالُ بهِ إِلى آخِرِهِ، و كذا كَلاَمُ السَّمِينِ يُتَأَمَّلُ فيه، فإِنَّ إِنْكَارَه قُصورٌ.
و اطَّلَعَ هََذِه الأَرْضَ: بَلَغَهَا ، و مِنْهُ قَوْلُه تَعَالَى: اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ [٢] ، قالَ الفَرّاءُ: أَي يَبْلُغ أَلَمُهَا الأَفْئِدَةَ، قال: و الاطِّلاعُ و البلُوغُ قد يَكُونُ [٣] بمَعْنًى وَاحِدٍ، و قالَ غيْرُه: أَي تُوفِي عليها فتَحْرِقُهَا، من اطَّلَعْتُ عليه، إِذا أَشْرَفْتَ، قالَ الأَزْهَرِيُّ: و قولُ الفَرّاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ، و إِليه ذَهَبَ الزَّجّاجُ.
و المُطَّلَعُ للمَفْعولِ: المَأْتَى ، يقَال: ما لِهََذَا الأَمْرِ مُطَّلَعٌ ، أَي وَجْهٌ، و لا مَأْتًى يُؤْتَى إِليْه. و يقَالُ: أَيْنَ مُطَّلَعُ هََذا الأَمْرِ، أَي مَأْتَاه، و هو مَوْضِعُ الاطِّلاعِ من إِشْرَافِ إِلى انْحِدَارٍ ، و هو مَجَازٌ.
١٧- و قولُ عمَرَ رضِيَ اللََّه تَعالَى عنه : «لو أَنَّ لي ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً لافْتَدَيْتُ بهِ من هَوْلِ المُطَّلَعِ » . يرِيد بهِ المَوْقِفَ يومَ القِيَامَةِ، تَشبِيهٌ لما يُشْرَفُ عليهِ من أَمْرِ الآخِرَة عَقِيبَ المَوْتِ بذََلِكَ ، أَي: بالمُطَّلَع الَّذِي يُشْرَفُ عليه من مَوْضِعٍ عالٍ.
و قالَ الأَصْمَعِيُّ: و قد يَكُونُ المُطَّلَعُ : المَصْعَدَ من أَسْفَل إِلى المَكَانِ المُشْرِفِ، قال: و هوَ من الأَضْدادِ، و قد أَغْفَلَهُ المصَنِّفُ، و من ذََلِكَ ١٦- في الحَدِيثِ : «ما نَزَلَ من القُرْآنِ آيَةٌ إِلاّ لها ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ، و لكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، و لكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ » . أَي مَصْعَدٌ يُصْعَد إِليْه ، يعنِي مِنْ مَعْرِفَةِ عِلْمِه ، و مِنْه قَوْلُ جَرِيرٍ يَهْجو الأَخْطَلَ:
إِنِّي إِذا مُضَرٌ عَلَيَّ تَحَدَّبَتْ # لاَقيْتُ مُطَّلَعَ الجِبَالِ وُعُوراً
هََكَذَا أَنْشَدَه ابنُ بَرِّيّ و الصّاغَانِيّ. و من الأَوّلِ قولُ سُوَيْدِ بنِ أَبِي كاهِلٍ:
مُقْعِياً يَرْمِي صَفَاةً لمْ تُرَمْ # في ذُرَا أَعْيَطَ وَعْرِ المُطَّلَعْ
و قِيلَ: مَعْنَى الحَدِيث: أَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ منْتَهَكاً يَنْتَهِكُه مُرْتكِبُه، أَي أَنَّ اللََّه لم يُحَرِّم حُرْمَةً إِلاّ عَلِم أَنْ سَيَطْلُعُهَا مُسْتَطْلِعٌ .
و من المَجَازِ: المُطَّلِعُ ، بكَسْرِ الّلامِ: القَوِيُّ العَالِي القاهِر ، من قَوْلِهِمْ: اطَّلَعْتُ على الثَّنِيَّةِ، أَي عَلَوْتُهَا، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ في «ض ل ع» و رَوَى أَبو الهيْثَمِ قَوْلَ أَبِي زُبَيْدٍ:
أَخُو المَوَاطِنِ عَيّافُ الخَنَى أُنُفٌ # للنّائِباتِ و لَوْ أُضْلِعْنَ مُطَّلِعُ
أُضْلِعْنَ: أُثْقِلْنَ. و مُطَّلِعٌ و هو القَوِيُّ على الأَمْرِ المُحْتَمِل، أَراد مُضْطَلِعٌ فأَدْغَمَ، هََكَذَا رَوَاه بخَطِّه، قالَ:
و يُرْوَى: «مُضْطَلِعُ» و قال ابنُ السِّكِّيت: يقَالُ: هو مُضْطَلِعٌ بِحِمْلِه، كما تَقَدَّمَ، و يُرْوَى قَوْلُ ابنِ مُقبِلٍ:
إِنّا نَقُومُ [٤] بجُلاّنَا فيَحْمِلُها # مِنَّا طَوِيلُ نِجَادِ السَّيْفِ مُطَّلِعُ
و يُرْوَى «مُضْلَعٌ» و هما بمَعْنًى.
و طَالَعَه طِلاَعاً ، بالكَسْرِ، و مُطَالَعَةً : اطَّلَعَ عليه ، و هو مَجَازٌ، يقالُ: طَالَعْتُ ضَيْعَتِي، أَي نَظَرْتُها، و اطَّلَعْتُ عَليْهَا، و قالَ اللَّيْثُ: الطِّلاَعُ: هو الاطِّلاَعُ، و أَنْشَدَ لحُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ:
فكانَ طِلاَعاً من خَصَاصٍ و رِقبَةٍ # بَأَعْيُنِ أَعْدَاءٍ و طَرْفاً مُقَسَّما
و قال الأَزْهَرِيُّ: قَوْلُه: طِلاعاً، أَي: مُطَالَعَةً ، يُقَالُ:
طالَعْتُه طِلاعاً و مُطَالَعَةً ، قالَ: و هو أَحْسَنُ من أَنْ تَجْعَلَه اطِّلاَعاً؛ لأَنَّهُ القِيَاسُ في العَرَبِيَّةِ.
[١] سورة مريم الآية ٧٨.
[٢] سورة الهمزة الآية ٧.
[٣] التهذيب و اللسان: يكونان.
[٤] عن المطبوعة الكويتية و بالأصل «نقدم» .