تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٢٦ - وقع وقع
العِبَارَةَ-فسُمِّيَ هََذا تَوْقِيعاً ؛ لاِنَّهُ تَأْثِيرٌ فِي الكِتَابِ حِسًّا، أَوْ في الأَمْرِ مَعْنًى، أَوْ مِنَ الوُقُوعِ ؛ لأَنَّه سَبَبٌ لوُقُوعِ الأَمْرِ المَذْكُورِ، أَو لاِنَّهُ إِيقاعٌ لِذََلِكَ المَكْتُوبِ في الكِتَابِ، فتَوْقِيعُ كَذا بِمَعْنَى إِيقاعهِ .
قلتُ: و مِنْ أَحْسَنِ ما رَأَيْتُ في التَّوْقِيعاتِ قَوْلُ العَفِيفِ عبدِ اللََّه بنِ جَعْفَرٍ، مِنْ مَشَاهِيرِ رِجالِ زَعْلٍ، وَفَدَ عَلَى المُؤَيَّدِ صاحِبِ تَغِزَّ، فدَاعَبَه في طَلَبِ الفَسْخ قالَ:
يا مَلِيكاً لَوْ وَزَنّا نَعْلَه # بِجَمِيعِ الخَلْقِ طُرًّا وَزَنَتْ
إِنَّ مَنْ غابَ عَنِ الإِلْفِ زَنَى # بَعْدَ طُولِ المُكْثِ عَنْهَا..
و لم يَكْتُبُ قافِيَةَ البَيْتِ الثّانِي، فوَقَّعَ المُؤَيَّدُ: «وَزَنَتْ» رَحِمَهُ اللَّهُ، فدَّلَّ ذََلِكَ عَلَى جَوْدَةِ فَهْمِهِمَا، نَقَلْتُه مِنْ كتابِ الأَنْسَابِ للنَّاشِرِيِّ.
قالَ شَيْخُنا: و قَدْ زَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَماءِ الأَدَبِ و أَئِمَّةِ اللِّسَانِ: أَنَّ التَّوْقِيعَ مِنْ الكَلامِ الإِسْلامِيِّ، و أَنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُه، و قد صَنَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، و لا سِيَّما أَهْلُ الأَنْدَلُسِ، و كلامُهُم ظاهِرٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ قَدِيمِ، و إِنْ كانَ مَأْخُوذاً مِنَ المَعَانِي العَرَبِيَّةِ، فَتَأَمَّلْ.
ثم قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: السُّرُورُ تَوْقِيعٌ جائِزٌ ، قالَ شَيْخُنا: أَي مِنْ أَسْبَابِ السُّرُورِ التَّوْقِيعُ الجَائِزُ، أَي: النّافِذُ الماضِي الَّذِي لا يَرُدُّه أَحَدٌ، لأَنَّه يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الإِمَارَةِ، و تَمَامِ الرِّيَاسَةِ، و هي للنُّفُوسِ أَشْهَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، و لِذََلِكَ جَعَلَ السُّرُورَ مُنْحَصِراً فِيهَا، و هََذَا الكَلامُ كَأَنَّهُ جَوَابٌ مِنْ بَعْضِ الأَكَابِرِ فِي الإِمْرَةِ و الوَجاهَة و نُفُوذِ الإِمْرَة، كأَنَّ شَخْصاً سَأَلَ [١] جَمَاعَةً: ما السُّرُورُ لَدَيْهِ؟فكُلُّ واحِدٍ أَجابَ بِمَا جُبِلَتْ عليهِ نَفْسُه، و طُبِعَتْ عَلَيْهِ سَجِيَّتُه، عَلَى حِسابِ الرَّغَبَاتِ، و هو كَثِيرٌ.
قالُوا: سُئِلَ عالِمٌ، فقِيلَ لَهُ: ما السُّرُورُ؟فقالَ: مَعْنًى صَحَّ بالقِيَاس، و لَفْظٌ وَضَحَ بَعْدَ الْتِبَاس. و قِيلَ لِشُجاعٍ: ما السُّرُورُ؟فقَالَ طِرْفٌ سَرِيع، و قِرْنٌ صَرِيع و قِيلَ لَمَلِكٍ: ما السُّرُورُ؟فقالَ: إِكْرَامُ وَدُود، و إِرْغامُ حَسُود.
و قِيلَ لعاقِلٍ: ما السُّرُور؟فقالَ: صَدِيقٌ تُنَاجِيه، و عَدُوٌّ تُداجِيه.
و قِيلَ لِمُغَنٍّ: ما السُّرُور؟فقالَ: مَجْلِسٌ يَقِلُّ هَذَرُه، و عُودٌ يَنْطِقُ وَتَرُه.
و قِيلَ لِنَاسِكٍ: ما السُّرُورُ؟فقَالَ: عِبَادَةٌ خالِصَةٌ مِنَ الرِّيَاءِ، و رِضَى النَّفْسِ بالقَضاءِ.
و قِيلَ لوَزِيرٍ: ما السُّرُورُ؟فقالَ: تَوْقِيعٌ نافِذٌ.
قالَ شَيْخُنَا: و قَدْ وَقَعَ في مُحَاضَرَاتِ الرّاغِبِ ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الّذِي قالَ ذََلِكَ هو الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ، فإِنَّ الرّاغِبَ ذَكَرَ في مُحَاضَراتِه باباً مِنَ الأَمَانِيِّ بحَسَبِ أَحْوَالِ المُتَمَنِّينَ، و ذَكَرَ فِيهِ أَنْوَاعاً مِمّا أَسْلَفْنَاهُ، قالَ في أَوائِلِهِ: قالَ قُتَيْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ للحُصَيْنِ بن المُنْذِرِ: ما تَتَمَنَّى؟فقَالَ: لِوَاءٌ مَنْشُور، و جُلُوسٌ عَلَى السَّرِير، و سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَمِير، و قِيلَ لِعَبْدِ اللََّه بنِ الأَهْتَم: ما تَتَمَنَّى؟فقالَ: تَوْقِيعٌ نافِذ، و أَمْرٌ جائِز، و قِيل لِحَكِيم: تَمَنَ [٢] ما تَشَاءُ، فقالَ: مُحَادَثَةُ الإِخْوَانِ، و كَفافٌ مِنْ عَيْش، و الانْتِقَالُ من ظِلٍّ إِلى ظِلّ، و قالَ بعضُهُم: العَيْشُ كُلُّه فِي صِحَّةِ البَدَنِ، و كَثْرَةِ المالِ، و خُمُولِ الذِّكْرِ، ثم قالَ: و وَقَعَ لِلْجاحِظِ أَمْثَالُ هََذا مُفَرَّقاً في كُتُبِه عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ هََذا، و فِي هََذا القَدْرِ كِفَايَةٌ.
ثمّ قالَ الجَوْهَرِيُّ: و التَّوْقِيعُ : تَظَنِّي الشَّيْءِ و تَوَهُّمه ، يُقَالُ: وَقِّعْ أَي: أَلْقِ ظَنَّكَ عَلَى شَيْءٍ، و فِي المُحْكَمِ:
التَّوْقِيعُ بالظَّنِّ و الكَلامِ يَعْتَمِدُه لِيَقَعَ عليهِ وَهْمُه.
و قالَ اللَّيْثُ: التَّوْقِيعُ : رَمْيٌ قَرِيبٌ لا تُبَاعِدُه، كأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُوقِعَهُ عَلَى شَيْءٍ و كَذََلِكَ تَوقِيعُ الأَرْكَانِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: و التَّوْقِيعُ : إِقْبَالُ الصَّيْقَلِ عَلَى السَّيْفِ بمِيقَعَتِه يُحَدِّدُه ، و مِرْمَاةٌ مُوَقَّعَةٌ .
و التَّوْقِيعُ : التَّعْرِيسُ ، و هُوَ النُّزُولُ آخِرَ اللَّيْلِ، و قَدْ وَقَّعُوا ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله سأل جماعة ما السرور لديه، هكذا في النسخ و الأمر سهل ا هـ» .
[٢] بالأصل «تمنى» .