تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣١٨ - طبع طبع
الدَّرَاهِمِ، و هو أَعَمُّ من الخَتْمِ و أَخَصُّ من النَّقْشِ، قالَ اللََّه تَعَالَى: وَ طُبِعَ عَلىََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ [١] قالَ: و به اعْتُبِرَ الطَبْعُ و الطَبِيعَةُ الَّتِي هي السَّجِيَّة، فإِنَّ ذََلِكَ هو نَفْسُ النَّقْشِ [٢] بصُورَةٍ ما، إِمّا مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ، أَو من حَيْثُ العَادَةُ، و هو فيما تُنْقَشُ بهِ من جِهَةِ الخِلْقَةِ أَغْلَبُ، و لهََذا قِيلَ:
و تأْبَى الطِّبَاعُ على الناقِلِ [٣]
و طَبِيعَةُ النّارِ، و طبِيعَةُ الدَّواءِ: ما سَخَّرَ اللََّه تَعَالَى من مِزَاجِه، و قالَ في تَرْكِيبِ «خ ت م» ما نَصُّه: الخَتْمُ و الطَّبْعُ يُقال على وَجْهَيْن: مَصْدَرُ خَتَمْت و طَبَعْت ، و هو تَأْثِيرُ الشَّيْءِ بنَقْشِ الخاتِمِ و الطابِعِ ، و الثّانِي: الأَثَرُ الحاصِلُ عن النَّقْش؛ و يُتَجَوَّزُ بذََلِك تارَةً في الاستِيثاقِ من الشَّيْءِ و المَنْعِ فيه [٤] ، اعْتِبَاراً بما يَحْصَلُ من المَنْعِ بالخَتْمِ على الكُتُبِ و الأَبْوابِ، و تَارَةً في تَحْصِيلِ أَثَرِ [٥] الشَّيْءِ من شَيْءٍ اعْتِبَاراً بالنَّقْشِ الحاصِلِ، و تَارَةً يُعْتَبَرُ منه ببُلُوغِ الآخِر... إِلى آخِرِ ما قالَ. و سَيَأْتِي في مَوْضِعه، إِنْ شاءَ اللََّه تَعَالَى.
و قالَ اللَّيْثُ: الطِّبْعُ ، بالكَسْرِ: مَغِيضُ الماءِ ، جَمْعُه أَطْبَاعٌ ، و أَنْشَدَ:
فلَمْ تَثْنِهِ الأَطبَاعُ دُونِي و لا الجُدُرْ
و عَلَى هََذَا هو-مَعَ قَوْلِ الأَصْمَعيِّ الآتِي: إِنَّ الطِّبْعَ هو النَّهْر-: ضِدٌّ، أَغْفَلَه المصَنِّفُ، و نَبَّه عليه صاحِب اللِّسَانِ.
و الطِّبْعُ : مِلءُ الكَيْلِ و السِّقَاءِ حَتّى لا مَزِيدَ فِيهِمَا من شِدَّة مَلْئهِما، و في العبَابِ: و الطِّبْعُ المَصْدَر [٦] ، كالطِّحْنِ و التطحين، و في اللِّسَانِ: و لا يقَالُ في المَصْدَرِ الطِّبْعُ ؛ لأَنَّ فِعْلَه لا يُخَفَّفُ كما يُخَفَّف فِعْلُ مَلَأ، فتَأَمَّلْ بينَ العِبَارَتَيْنِ، و قال الراغِب: و قِيل: طَبَعْتُ المِكيالَ، إِذا مَلْأته، و ذََلِكَ لكَوْنِ المَلْءِ العَلامة منها المانِعَة مِن تَنَاوُلِ بعضِ ما فِيه. و الطِّبْعُ : نَهْرٌ بعَيْنهِ، و قال الأَصْمَعِيُّ: الطِّبْعُ : النَّهْرُ مطْلقاً، قال لَبِيدٌ رَضِي اللََّه عنه:
فتَوَلَّوْا فَاتِراً مَشْيُهُمُ # كرَوايَا الطِّبْعِ هَمَّتْ بالوَحَلْ
قالَ الأَزْهَرِيُّ: و لم يَعْرِف الليْثُ الطِّبْعَ في بَيْتِ لبِيدٍ، فتَحَيَّرَ فيه، فمرَّةً جَعَلَه المِلءَ، و هو: ما أَخَذَ الإِنَاءُ من المَاءِ، و مَرَّةً جَعَلَه المَاءَ، قال: و هو في المَعْنَيَيْنِ غيرُ مُصِيبٍ، و الطِّبْعُ في بيت لَبِيدٍ: النَّهْر، و هو ما قالَه الأَصْمَعِيُّ، و سُمِّيَ النَّهْر طِبْعاً لأَنَّ النّاسَ ابْتَدَأْوا حَفْرَه، و هو بمَعْنَى المَفْعولِ، كالقِطْفِ بمعنَى المَقْطُوفِ، و أَمَّا الأَنْهَار الَّتِي شَقَّهَا اللََّه تعالَى في الأَرْضِ شَقًّا، مثْل دَجْلَةَ و الفُرَات و النيلِ و ما أَشبَهها، فإِنَّهَا لا تُسَمَّى طُبُوعاً ، و إِنَّمَا الطُّبُوع : الأَنْهَار الّتِي أَحْدَثَهَا بَنُو آدَمَ، و احْتَفَروهَا لمَرَافِقِهم، و قَوْلُ لبِيدٍ: «هَمَّتْ بالوَحَلْ» يَدلُّ على ما قالَه الأَصْمَعِيُّ؛ لأَنَّ الرَّوَايَا إِذا وُقِرَت [٧] المَزايِدُ مَمْلُوءَةً ماءً، ثمّ خاضَتْ أَنْهَاراً فيها وَحَلٌ، عَسُرَ عليها المَشْيُ فِيها، و الخُروجُ منها، و رُبَّمَا ارْتَطَمَت فيها ارْتِطَامَاً إِذا كَثُرَ فِيها الوَحَلُ، فشَبَّه لبِيدٌ القَوْمَ الَّذِينَ حَاجُّوه عندَ النُّعْمَانِ بنِ المُنْذِرِ، فأَدْحَضَ حُجَّتَهُم حتى زَلِقُوا [٨] ، فلم يَتَكَلَّمُوا، برَوَايَا مثْقَلَةٍ خاضَتْ أَنْهَاراً ذَاتَ وَحَلٍ، فتَسَاقَطَتْ فيها، و اللََّه أَعْلَمُ.
و الطِّبْعُ ، بالكَسْرِ: الصَّدَأُ يَرْكَب الحَدِيدَ، و الدَّنَسُ و الوَسَخُ يَغْشَيَانِ السَّيْفَ، و يُحَرَّكُ فيهما ج: أَطبَاعٌ ، أَي جَمعُ الكُلِّ ممّا تَقَدَّم.
أَو بالتَّحْرِيكِ: الوَسَخُ الشَّدِيدُ من الصَّدَإِ ، قالَه الليثُ.
و من المَجَازِ: الطَّبَعُ : الشَّيْنُ و العَيْبُ في دينٍ أَو دُنيَا، عن أَبِي عُبَيدٍ، و منه ١٦- الحَدِيثُ : «استَعِيذُوا باللََّه من طَمَعٍ يَهْدِي إِلى طَبَعٍ » . بَينَهُمَا جناسُ تَحرِيفٍ، و قالَ الأَعْشَى:
مَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غيرَ مُتَّئِبٍ # إِذا تَعَمَّمَ فَوقَ التّاجِ أَو وَضَعَا [٩]
له أَكالِيلُ بالياقُوتِ زَيَّنَها # صَوَّاغُها [١٠] لا تَرَى عَيْباً و لا طَبَعَا
[١] سورة التوبة الآية ٨٧.
[٢] في المفردات: هو نقش النفس.
[٣] نسبه بحاشيته المطبوعة الكويتية للمتنبي و صدره:
يراد من القلب نسيانكم.
[٤] المفردات «ختم» : منه.
[٥] المفردات: أثرٍ عن شيء اعتباراً.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: و الطبع المصدر الخ الأولى أن يقول؛ و الطبع و التطبيع المصدر كالطحن و التطحين» .
[٧] التهذيب: «أُوقرت بالمزايد» و اللسان كالأصل.
[٨] الأصل و اللسان و في التهذيب: ذلّوا.
[٩] في الديوان ص ١٠٨ إذا تعصّب.
[١٠] عن الديوان و بالأصل: صداغها.