تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٠١ - ودع ودع
و وَدِيعَةُ بنُ عَمْرٍو الجُهَنِيُ [١] حَلِيفُ بَنِي النَّجّارِ:
صحابِيّانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، الأَخِيرُ بَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ.
و دَعْهُ ، أَي: اتْرُكْهُ، و أَصْلُه وَدَعَ يَدَعُ ، كوَضَعَ يَضَعُ، كما فِي الصَّحاحِ، و مِنْهُ ١٦- الحَدِيثُ : « دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى ما لاَ يَرِيبُكَ» . و قال عَمْرُو بنُ مَعْدِيَكَرِبَ:
إِذا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فدَعْهُ # و جاوِزْهُ إِلَى ما تَسْتَطِيعُ
قالَ شَيْخُنَا: اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّظَرِ، هَلْ دَعْ ، و ذَرْ مُتَرادِفَانِ؟أَو مُتَخالِفانِ؟فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الأَوَّلِ، و هُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، و ذَهَبَ أَكْثَرُونَ إِلَى الفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فقالَ: دَعْ و يَدَعُ يُسْتَعْمَلانِ فِيما لا يُذَمُّ مُرْتَكِبُه؛ لأَنَّه مِنَ الدَّعَةِ ، و هِيَ الرّاحَةُ، و لِذا قِيلَ-لمُفَارَقَةِ النّاسِ بَعْضِهِم بَعْضاً-:
مُوَادَعَةٌ ، وَذَرْ و يَذَرُ بخِلافِهِ؛ لتَضمُّنِه إِهْمَالاً وَ عَدَمَ اعْتِدادٍ؛ لأَنَّهُ مِنَ الوَذْرِ، و هُوَ قَطْعُ اللُّحَيْمَةِ الحَقِيرَةِ، كما أَشارَ إِلَيْهِ الرّاغِبُ، فلِذَا قالَ تَعالى: أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخََالِقِينَ [٢] دُونَ « تَدَعُونَ » معَ ما فِيهِ من الجِنَاسِ، و قِيلَ:
دَعْ : أَمْرٌ بالتَّرْكِ قَبْلَ العِلْمِ، و ذَرْ بَعْدَهُ، كما نُقِلَ عَن الرّازِيِّ، قِيلَ: و هََذَا لا يُسَاعِدُه اللَّغَةُ و لا الاشْتِقاقُ، و قد أُمِيتَ ماضِيهِ ، لا يُقَال: وَدَعَهُ و إِنَّمَا يُقَالُ في ماضِيهِ: تَرَكَهُ كما في الصِّحاحِ، و زادَ: و لا وادِعٌ ، و لََكن تارِكٌ، و رُبَّمَا جاءَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وَدَعَهُ ، و هُوَ مَوْدُوعٌ على أَصْلِه، و قالَ الشّاعِرُ -يُقَالُ: هُو أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، كما قالَهُ ابنُ جِنِّي، و الَّذِي في العُبَابِ أَنَّه لأَنَسِ بنِ زُنَيْمٍ اللَّيْثِيِّ، و رَوَى الأَزْهَرِيُّ عن ابْنِ أَخِي الأَصْمَعِيِّ أَنَّ عَمَّهُ أَنْشَدَه لأَنَسٍ هََذا-:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي ما الَّذِي # غالَهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ
و آخِرُه:
لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقاً خُلَّباً # إِنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهْ
و قالَ ابنُ بَرِّيّ: و قَدْ رُوِيَ البَيْتَانِ لَهُمَا جَمِيعاً، و قالَ خُفَافُ بنُ نُدْبَةَ:
إِذا ما اسْتَحَمَّتْ أَرْضُه مِنْ سَمَائِهِ # جَرَى وَهْوَ مَوْدُوعٌ و واعِدُ مُصْدَقِ
أَيْ مَتْرُوكٌ، لا يُضْرَبُ و لا يُزْجَرُ، كَما فِي الصِّحاحِ.
قلتُ: و في كِتَابِ «تَقْوِيم المُفْسَدِ و المُزَالِ عَنْ جِهَتِه» [٣]
لأَبِي حاتِمٍ أَنّ الرِّوايَةَ في قَوْلِ أَنَسِ بنِ زُنَيْمٍ السّابِقِ:
«غالَهُ في الوَعْدِ» و مَنْ قالَ: «في الوُدِّ» فقد غَلِطَ، و قالَ: كأَنَّهُ كانَ وَعَدَه شَيْئاً. قلتُ: و يَدُلُّ لِهََذِه الرِّوَايَةِ البَيْتُ الَّذِي بَعْدَه، وَ قَدْ تَقَدَّم.
و قالَ ابنُ بَرِّيّ-فِي قَوْلِ خُفَافٍ الَّذِي أَنْشَدَهُ الجَوْهَرِيُّ-: مَوْدُوعٌ هُنَا مِنَ الدَّعَةِ ، الَّتِي هِيَ السُّكُونُ، لا مِنَ التَّرْكِ، كما ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ، أَيْ: أَنَّهُ جَرَى وَ لَمْ يَجْهَدْ.
و في اللِّسَانِ: وَدَعَهُ يَدَعُهُ : تَرَكَه، و هي شاذَّةٌ، و كلامُ العَرَبِ دَعْنِي و ذَرْنِي، و يَدَعُ وَ يَذَرُ، و لا يَقُولُونَ: وَدَعْتُك ، و لا وَ ذَرْتُكَ، اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بتَرَكْتُكَ، و المَصْدَرُ فِيهما: تَرْكاً، و لا يُقَال: وَدْعاً و لا وَذْرًا، و حَكَاهُمَا بَعْضُهُم، و لا وادِعٌ ، و قَدْ جاءَ فِي بَيْت أَنْشَدَهُ الفارِسِيُّ في البَصْرِيّاتِ:
فَأَيُّهُما ما أَتْبَعَنَّ فإِنَّنِي # حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنا وادِعُ
قالَ ابنُ بَرِّي: و قَدْ جاءَ « وادِعٌ » في شِعْرِ مَعْنِ بْنِ أَوْسِ:
عليهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وادِعُ العَصَا # يُسَاجِلُهَا حَمّاتِه و تُسَاجِلُهْ
و أَنْشَدَ الصّاغَانِيُّ لسُوَيْدٍ اليَشْكَرِيِّ يَصِفُ نَفْسَه:
فسَعَى مَسْعَاتَه في قَوْمِه # ثُمَّ لَمْ يُدْركْ، و لا عَجْزًا وَدَعْ [٤]
و أَنْشَدَ ابنُ بَرِّيّ له [٥] أَيضاً:
سَلْ أَمِيرِي: ما الَّذِي غَيَّرَه # عَنْ وِصالِي اليَوْمَ حَتّى وَدَعَهْ
و أَنْشَدَ الحافِظُ بنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ:
[١] بالأصل «أو الجهني» و حذفنا «أو» لموافقة السياق في أسد الغابة.
[٢] سورة الصافات الآية ١٢٥.
[٣] بالأصل «تقديم المغر و النزال عن جبهته» و المثبت عن المطبوعة الكويتية.
[٤] بالأصل «و لا عجز ودع» و المثبت عن اللسان.
[٥] كذا بالأصل و في اللسان: لسويد بن أبي كاهل.