المحجة في تقريرات الحجة - الصافي الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ١٦ - المقام الأول هو أنّ العلم لا يكون موردا لحكم أصلا،
سواء كان هذا الأمر أثر العقلي أو الشرعي.
فظهر لك أنّ في صورة العلم ليس حكم بوجوب الاتّباع عقلا، فالعلم غير قابل للحكم، فلا مجال بعد ذلك للتكلّم في أنّه غير قابل للجعل التشريعي لا إثباتا و لا نفيا، لما قلنا من عدم كونه قابلا لتعلّق الحكم به أصلا لا عقلا و لا شرعا، هذا حال العلم من أنّه بعد حصوله لا إشكال في ترتّب أثر الواقع على المعلوم، و أمّا الجهل المركّب فلا يترتّب عليه أثر الواقع؛ لأنه ليس هداية بل جهالة و ضلالة، و لا يكون علما بل هو جهل أشدّ جهل فكيف يترتّب عليه أثر العلم؟ غاية الأمر لو لم يقصّر في مقدماته يكون معذورا لا لأجل اعتقاده الباطل واقعا حتى يقال: إنّ الواقع له أثر و الواقع يترتّب عليه، و الجاهل المركّب لم يكشف له الواقع، بل لأجل أنّ جهله عذر له، فهو معذور لكون الجاهل معذورا لو لم يقصّر في المقدمات.
فظهر لك أنّ معذورية الجاهل المركّب ليس إلّا لأجل جهله في صورة عدم تقصيره في المقدمات، و أمّا مع تقصيره فلا يكون معذورا.
و ظهر لك عدم تعلّق حكم بالقطع، و كون التعبير بوجوب اتّباعه مسامحة، و الشاهد على هذا هو أنّ في بعض الموارد لا معنى لوجوب الاتباع، مثلا: لو قطع بكون هذا المائع ماء فبعد العلم ينطبق على هذه الصغرى كبرى الواقع و هي كون الماء مباحا، فلو كان الواجب اتّباع العلم لكان عليه لازما شربه، و هو كما ترى، فهذا دليل على عدم ترتّب حكم متعلّق به من العقل أو الشرع، بل ليس أثر العلم إلّا كشف الواقع، و لازمه ترتيب ما هو أثره في الواقع، فافهم.
و مما قلنا ظهر لك أنّ العلم هو الاعتقاد الموافق للواقع فإن كان كبرى الواقع هو الوجوب يترتّب عليه، و كذلك الحرمة. و تارة يكون كبرى الوقع الإباحة أو الندب أو الكراهة، فلا معنى لوجوب الاتّباع في هذه الصور، فالعلم غير محكوم بحكم من العقل، كما أنّ الذي هو جهل بل من أشدّ صور الجهل أيضا غير محكوم