التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - ثالثا بين الإجتباء والتوبة
نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها (إِلآَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ)، (وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ). ولم يكن آدم وحواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ)، (فَاكَلَا مِنْهَا) ثقة بيمينه بالله. وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن بذنب كبير إستحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلما إجتباه الله تعالى، وجعله نبياً معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى: (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). وقال عز وجل: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). [١]
وهكذا نستفيد؛ إن التائب من الذنب قد ينطلق الى نقطة أبعد من موقعه السابق قبل الذنب، إذا كانت توبته نصوحاً. فإن المسكنة التي يشعر بها أمام ربه، والعبودية التي يعيشها، وتأنيب الضمير الذي يتحسسه، كل ذلك جدير بأن يحصنه من الوقوع في الذنب مرّة أُخرى، بل ويجعله دائب السعي لاصلاح ما بدر منه، وذلك بالاجتهاد والكدح.
من هنا ينبغي ألّا يقنط المؤمن بعد الذنب، بل يتوب الى الله توبة صادقة لعل الله يجتبيه لدرجة الشهادة على عصره، والله المستعان.
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٤٠٣.