التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - وحدة البشر في أصل الخلقة
٣/ وفي مرحلة ثالثة، خلقنا الله من طين، ومعروف أنه خليط من ماء وتراب، فقال الله سبحانه: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ) (ص/ ٧١)
وإذا كان الطين أصلنا جميعاً؛ فهل يجوز أن نتفاخر على بعضنا، وبماذا؟ وكيف يجوز أن يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله؟
٤/ وقد تصلصل الطين في مرحلة أخرى، فقال ربنا سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر/ ٢٨)
إن هذه الآيات التي تبين أصل البشر الواحد، توحي إلينا فيما توحيه من حقائق وبصائر، أنه لا يجوز أن نغلو في أحد ونرفعه الى مستوى إدعاء الإلوهية، ولا يجوز لنا أن نغلو بالسلاطين لنجعل منهم أنصاف آلهة، أو أن نتعصب لأنفسنا أو لغيرنا بما يعود إلى عنصرنا أو دمنا أو ما أشبه.
٥/ والنفس البشرية التي خلقت من ضعف، وكانت ظلوماً جهولًا، تتسرّع إلى الشرك، والذي منه الغلو في العظماء من البشر، وبالذات رسل الله الذين تتجلى فيهم الفضائل وتظهر على أيديهم الكرامات. ودرءً لهذا الخطر تتابعت تأكيدات الوحي على أن الرسل ما هم إلّا بشر، فقال الله سبحانه: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (ابراهيم/ ١١)
وهذا التأكيد الذي نجده جزءً من دعوة الرسل، لدليل صدق على أنهم لا يبتغون لأنفسهم كسباً، أو يستكبرون حاشا لله على الناس، كما هو شأن السلاطين والطغاة.
٦/ وذكر ربنا سبحانه ما قاله النبي صلى الله عليه وآله عن نفسه، وذلك في قوله: (قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف/ ١١٠)، وقوله سبحانه: (أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) شاهد صدق على دعواهم، لأنهم لا يدعون الناس إلى أنفسهم، بل الى ربهم سبحانه.
وقد استفادت النصوص الدينية من هذه البصيرة؛ المساواة بين أبناء البشر، حين جاء في حديث شريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:" الناس ولد آدم وآدم من تراب". [١]
وفي أشعار منسوبة الى أمير المؤمنين عليه السلام جاء:
الناس من جهة التمثال اكفاء
أبوهم آدم و الأم حواء.
[١] ميزان الحكمة، ج ٩، ص ٣٥٢، ح ١٩٢٥٧.