التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨٣ - رابعا تجاوز الحزن على ما فات
نستفيد من الآية؛ إن على القائد الرباني ألّا ينبهر بما لدى الكفار من إمكانات، وإنما يهتم بالمؤمنين به ويكتفي بهم بعد الله سبحانه، حيث يقول تعالى: (يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الانفال/ ٦٤)
ومن حقائق اهتمامه بهم؛ خفض الجناح رحمة بهم، وعطفاً عليهم. ومن حقائق ترك الاهتمام بالكفار؛ عدم الحزن عليهم، وألا يأبه بهم وبما يملكون.
ونستوحي من ذلك؛ إن الانسان إذا فقد شئياً فلا يحزن عليه، بل يركّز اهتمامه بما يملك ويطوّره ويستفيد منه كيما يعوض عما فقده، والله العالم.
٢/ وإذا بدء الأعداء حبك المؤامرات، فينبغي ألا يضيق المؤمن بذلك ذرعاً، ولا يحزن عليهم لماذا لا يؤمنون بالحق. ولكن يصبر، فالصبر نجاة من مكرهم، والصبر إنما يكون بالله (ربما لشدة وقع الحزن على النفس). قال الله سبحانه: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل/ ١٢٧)
٣/ (لأن الكفار قد فقدوا قيمتهم الانسانية بكفرهم)، فإن النبي لا يحزن على كفرهم، ولا يخشى مكرهم، لأن الله ينصره عليهم. قال ربنا سبحانه: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النمل/ ٧٠)
٤/ وهذه سنة الله في رسله السابقين. هذا النبي الكريم لوط سلام الله عليه، جاءته ملائكة ربه في صورة ضيوف، فأراد بهم قومه سوءً، فضاق بهم لوط ذرعاً. فقالت الملائكة له: لا تخف ولا تحزن (وعدم الخوف، لأن الله ينصره عليهم. وعدم الحزن عليهم، لأنه لا قيمة لكافر)، قال الله سبحانه: (وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (العنكبوت/ ٣٣)
وهكذا نجا الله رسوله والمؤمنين به من أهله، وأهلك الكافرين. وبقيت لنا من قصتهم عبرة مهمة، هي: ألّا نخاف مع الله شيئاً، ولا نحزن.
رابعاً: تجاوز الحزن على ما فات
يحزن البشر على ما فاته من نعم الله، ومن فرص الخير. ولكي يتجاوز هذا الحزن عليه أن يحظى بنعمة عظيمة تصغر معها سائر النعم على أهميتها في نفسها، وهي نعمة الهداية، والإيمان، والتسليم لله، والتقوى، والانفاق. وبكلمة؛ نعمة أن يكون من أولياء الله. وقد تكررت هذه