التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٤ - باء عقبات التعاون
السلوك. فالتعاون هو السبيل الى التقوى. ومن هنا يقول ربنا سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة/ ٢)
ومن دون فهم هذه الشمولية في معنى التعاون، نقع في أخطاء كثيرة. كيف؟
قبل بيان ذلك أضرب مثلًا؛ أمام النجار كومة من الاخشاب يريد أن يصنع منها كرسياً، ماذا يصنع؟ يهيئ الأخشاب، أولًا يقيسها حسب الكرسي المتصور، ثم يقطع الزوائد منها، ويسوّي قطعاتها، ويصقل سطوحها الواحدة بعد الأخرى، ثم يجعلها تتداعم حتى تصبح كرسياً. كذلك البشر قبل أن يتداعموا (ويتعاونوا) لا بد أن تصقل نفوسهم وتسوّى، وتصقل لتنسجم مع بعضها البعض. فكيف تصقل النفوس؟ بالأخلاق والآداب. مثلًا؛ إذا كانت نظراتهم الى بعضهم سلبية نابعة من الحقد والحسد والحمية، لا يستطيعون التعاون. وإذا كان كل واحد يريد أن يأخذ أكثر مما يُعطي، لا يقدرون على التعاون.
وهكذا كانت الأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة هي دعامة التعاون.
وإنما كانت الأخلاق الحسنة أساس الحضارات، لأن حقيقة الحضارة هي التعاون، والأخلاق شرطه الذي لا بد منه.
والاسلام دين الحضارة، وقد احتوت تعاليمه على منظومة متكاملة من الوصايا الخلقية، حتى روي عن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله قوله الكريم:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ومن هنا استفاضت النصوص الدينية في الأخلاق.
وكما الأخلاق الحسنة، كذلك الآداب الرفيعة تساهم في تسهيل التعاون. فآداب الزينة والسلام والتهادي، والقول بالذي هو أحسن، وسائر آداب العشرة التي نجدها بوفرة في تعاليم ديننا الحنيف، إنها تشكل أسس التعاون.
وإلى تلك الوصايا الخلقية والتعاليم القيمة في الآداب، نحن بحاجة الى كل خلق فاضل أو أدب رفيع يساهم في تدعيم أسس التعاون، حتى ولو لم نستوحيه من النصوص، لأن التعاون مأمور به، وكل ما يؤدي إليه مأمور به بالتبع.
إن النظر التجزيئي إلى الشريعة الغراء، وبالذات الى الوصايا الأخلاقية فيها جعلنا لا نأبه بطائفة من الأحكام والتعاليم لعدم معرفتنا بمدى أهميتها. ولأن البعض منا يزعم أن الوصايا الأخلاقية ليست واجبة، فإنك تراه يستخف بها. كلا؛ إن كثيراً من الوصايا الخلقية واجبات شرعية مؤكدة.