التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - فقه الآيات
الثالث: ما لا ينتفع به كالمسوخ؛ برية كانت كالقرد والدب، وفي الفيل تردد. ثم قال: وقيل يجوز بيع السباع كلها، تبعاً للانتفاع بجلدها أو ريشها، وهو الأشبه.
الرابع: ماهو محرّم في نفسه، كعمل الصور المجسّمة والغناء ومعونة الظالمين بما يحرم. [١]
وهكذا نجد إن الشريعة قد وسعت مفهوم الباطل، الذي يحرم أكل الناس به. فليس الباطل مجرد سرقة المال أو إنتهابه، بل وأيضاً كل ما يؤدي الى فساد المجتمع بسبب المال (كأجرة ولاية الجائر أو بيع النجس أو غير النافع أو الضار أو الأجرة على حرام) فإنه باطل، لأن الحكمة من المال إصلاح المجتمع، فما خالف هذه الحكمة اعتبر باطلًا وحراماً. وقد أوضحت الرواية الآنفة الذكر هذه الحقيقة بجلاء، مما تجعلنا على ثقة كافية بهذه الحكمة، وعلى بصيرة من أبعادها. ومن أبعادها؛ تعاطي كل محرّم. فالتجارة بالمخدرات أو بما يخالف النظام الاقتصادي القائم إذا كان مشروعاً وعدلًا، فانه حرام. مثلًا تهريب البضائع أو تقليد ماركاتها أو غسل الأموال المحرّمة، أو ما أشبه فإنه من الباطل.
ومن ذلك النظام الربوي الذي يفسد الاقتصاد، ومنه الاحتكار، ومنه الغش والتدليس والبيع الغرري، ومنه كل ما فيه ضرر على الفرد أو المجتمع.
ويمكن للفقيه أن يستوحي من كل ذلك أحكام الملكية، التي تسبب فساداً سياسياً أو إجتماعياً. فإذا كانت الثروة بيد طائفة من الناس يستفيدون منها في العلو في الأرض (كما فعل فرعون)، أو إفساد أخلاق الناس (كما فعل قارون)، فإن على الناس الوقوف أمامهم بحزم. وقد منع القرآن الكريم تداول الثروة بيد طائفة خاصة من الناس، فقال الله سبحانه: (مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر/ ٧)
وإذا عرفنا حكمة المال، وعرفنا سائر القيم العليا التي تحيط بحياة الإنسان، مثل إحترام البشر والاعتراف بحقوقه، ومنها الاعتراف بجهده (مما يورث الملكية الفردية)، وحقه في الحياة الكريمة (مما يورث حق المجتمع في الملكية). إذا عرفنا ذلك، فإن علينا أن نستنبط أحكام الفروع المتشابهة من تلك القيم بعد دراسة عميقة للظروف، ولكيفية القيّم عليها. فلا يجوز أن نحكم على الاسلام
[١] شرائع الاسلام، ج ٢، ص ١٠.