التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - هاء تحدي الإستكبار
٦/ ذلك أن الله قد أمر عباده بألَّا يعبدوا سواه، ولا يتخذوا من دونه أنداداً، وأمرهم بأن يكفروا بالطاغوت ويجتنبوه، وأمرهم بأن يهاجروا من الأرض التي يستضعفون فيها، وأذن لهم بأن يقاتلوا من يخرجهم من أرضهم، ووعدهم النصر إن هم نصروه. فإذا استرسل الناس مع المستكبر ولم يقاوموه فقد شاركوه في جريمته، وأن الله يجمعهم معه في النار- والعياذ بالله-.
إن كرامة الانسان أعزّ ما فيه، ولا يجوز لأحد أن يفرّط فيها، وإن الله قد منّ على عباده بأن أكرمهم ورفع شأنهم من أن يعبدوا سواه. ولكن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، فيشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً. هكذا تكلم يوسف الصديق عليه السلام لصاحبيه في السجن. كما جاء في القرآن الحكيم: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابآءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (يوسف/ ٣٨)
كان سجيناً ولكنه كان كريماً، ما خدش كرامته بطش الطاغية، بل ازداد اعتزازاً بربه، وفخراً بعبوديته وحده. وقال الله سبحانه وهو يقص قصته: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلآَّ أَسْمآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف/ ٤٠)
وهكذا تستطيل كرامة الإنسان في ظل تعاليم الوحي على كل صور الإستلاب والإستغلال، وتتحدى كل من تسول نفسه تحويل البشر إلى أداة طيّعة لثروته أو لجاهه أو لقوته أو لدعايته أو لأية قيمة زائفة يتذرّع بها؛ ويبقى الإنسان السوي عبداً لله وحده، لا لأحد سواه.