التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٨ - هاء تحدي الإستكبار
أ- إن قارون إستخدم ثروته في إفساد الناس، حيث خرج على الناس في زينته، حتى أثار في الناس الرغبة في الإقتداء به (وانتشرت عندهم ثقافة الترف).
ب- قاوم العلماء بالله هذه الظاهرة الفاسدة، ونشروا في الناس ثقافة الإيمان والعمل الصالح. ومعروف كيف خسف الله بقارون وبداره الأرض، وأنقذ الناس من التأثر به وبثقافة المترفين.
ثالثا: في السياسة والحكم
يتسلل المترفون في مرحلة متقدمة من إفسادهم في الأرض ليصلوا إلى قمة الهرم في المجتمع، حيث يهيمنون على السلطة السياسية بشراء ضمائر الحكام أو بتقاسم المصالح معهم، وهناك يعم الفساد. فإذا لم يقم المصلحون ضد هذا الوضع، ينهار المجتمع وينزل العذاب.
١/ يقول الله سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الاسراء/ ١٦)
فالمترفون هنا أضحوا في رأس السلطة، ولذلك توجه أمر الله المتمثل في الإنذار إليهم. ولكنهم رفضوا أمر الله، فتمت عليهم الحجة، وحق عليهم قول ربنا بعذاب المفسدين بعد إتمام الحجة عليهم، فدمرهم الله تدميراً.
والتدمير لم يخص المترفين، بل عمّ الساكتين عنهم من الناس، ولذلك حقت عليهم جميعاً كلمة العذاب.
٢/ ولكن مع وجود طائفة مصلحة بين الناس، قد يؤخر العذاب عنهم، إذ يرجى صلاحهم. هذا ما نستوحيه من قوله سبحانه: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ اولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ اتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ* وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود/ ١١٦- ١١٧)
هاء: تحدي الإستكبار
أكثر ما سحق كرامة الإنسان عبر التاريخ وحتى اليوم، إستخدام القوة ضد إرادته، والذي يتمثل اليوم في الدول الديكتاتورية (المستبدة) التي تقمع شعوبها، وفي الدول المستكبرة التي تفرض هيمنتها على سائر الشعوب
عبر إخضاع الدول الممثلة لها. ولعل النمط الأول يسمى في منطق القرآن بالطاغوت، بينما يسمى النمط الثاني بالإستكبار. وهما سيان في المحصلة النهائية، إذ إنهما بالتالي يحاولان سحق كرامة البشر وقدراته، وتطويعه بالإرهاب.