التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠٨ - ثالثا لمن التواضع؟
وقد إستلهمنا من آية كريمة سبق القول فيها، أن التواضع المطلوب وخفض الجناح هو الذي يكون من الرحمة. والرحمة هي إحسان وعطاء وتفضل، وليس خضوعاً واستجداءً. وبتعبير آخر؛ الرحمة هي ميراث الشرف الذي يحس به الانسان، وهو بدوره ميراث الصدق.
ثالثاً: لمن التواضع؟
السؤال؛ من يتواضع لمن؟ إنما يتواضع الكبير للصغير؛ النبي لأمته، والوالد لولده، وعند حاجة الوالدين الى الرحمة بعد كبر سنهما فالولد يخفض جناحه لهما، وهكذا ..
والمؤمنون يتواضعون لبعضهم، لأن كل واحد منهم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، وكل واحد منهم مستوصى بالاخرين، لكي لا يستكبر الغني منهم على الفقير، والقوي منهم على الضعيف، والحاكم منهم على المحكوم.
بلى؛ عندما يتواضع المؤمن لربه، فانه يتواضع عن ذلة وعبودية. ولكن تجلي هذه الصفة ستكون في علاقة المؤمنين مع بعضهم، أو علاقة المؤمن بالناس الذين هم خلق الله.
١/ وهكذا أمر الله النبي صلى الله عليه وآله أن يخفض جناحه للمؤمنين، قال الله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر/ ٨٨)
ونستوحي البصائر التالية من هذه الآية الكريمة:
ألف: النهي عن نظر الطمع الى ما متّع الله الناس بها.
باء: إن القرآن نزل حسب بعض النصوص على لغة إياك اعني واسمعي يا جارة. فالخطاب ظاهراً موجه الى الرسول، ولكنه يعني كل من يتولى موقعه من الدعاة الى الله والقادة. وقد جاء في الحديث عما يخص العلماء عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال: تواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم. [١]
وجاء في حديث مفصل كيف كان قادتنا يتواضعون للناس، إقرء وتأمل الحديث التالي عن الإمام العسكري عليه السلام: أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأناً، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصدّيقين، ومن شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام حقاّ. ولقد ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان: أب وإبن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين يديهما، ثمَّ أمر بطعام فاحضر فأكلا معه، ثمَ
[١] ميزان الحكمة، ج ٦، ص ٤٨٦، ح ١٣٥٨٤.