التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧١ - باء/ اتباع الأسباب
وهو بدوره- أخذه بجدارة من القائد الفاتح طالوت، الذي اختاره الله لقيادة بني اسرائيل في قتالهم المشروع من أجل إستعادة ديارهم.
أقول: قد تبلورت الرغبة عند النبي سليمان عليه السلام، حيث قال ما بيّنه لنا ربنا سبحانه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص/ ٣٥)
ماذا كان يعني النبي سليمان عليه السلام في هذا الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده؟ هل كان يعني مجرد ملك واسع (كالذي آتاه الله وعلّمه منطق الطير، وسخّر له الريح)، أو أنه كان بالإضافة ملكاً بلا ظلم؟
في أحاديث أهل البيت عليهم السلام تفسير ذلك بأنه سأل من ربه ملكاً عادلًا لا جور فيه. فقد ورد عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، أنه قال: الملك ملكان؛ ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله تعالى، كملك آل ابراهيم وملك طالوت وذي القرنين، فقال سليمان عليه السلام (هَبْ لي مُلْكَاً لا يَنْبَغي لأحد مِنْ بَعْدي) أن يقول إنه مأخوذ بالغلبة والجور واجبار الناس. فسخر الله عز وجل له الريح تجري بأمره رخاءاً حيث أصاب، وجعل غدوها شهراً ورواحها شهراً، وسخر الله عز وجل له الشياطين كل بناء وغواص، وعلم منطق الطير ومكن في الأرض. فعلم الناس في وقته وبعده، أن ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل الناس، والمالكين بالغلبة والجور". [١]
باء/ اتباع الأسباب
١/ معرفة الأسباب واتباعها، وسيلة شرعية الى السلطة. فمن كان يعرف سنن الله في خلقه، ويستخدم هذه المعرفة في تسخير الأشياء لمصلحة البشر، تكون له الهيمنة وبجدارة على سائر الناس، لأنه يكون الأقدر على تلبية حاجات الناس وتحقيق مصالحهم. ولعل هذا المعنى هو المستفاد من قوله سبحانه: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً* فَاتْبَعَ سَبَباً) (الكهف/ ٨٤- ٨٥)
وقصة ذي القرنين التي فصِّل الحديث عنها في سورة الكهف، ذات دلالات هامة في السلطة الشرعية؛ حيث إنه لم يظلم أحداً في سبيل الوصول الى الحكم، بل اتبع أسباب الحياة فكان الأجدر له. ثم لم يستخدم سلطته في الظلم، بل في إعانة المحتاجين ونشر العدالة. فقد روي عن
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٤٦٠، ح ٥٦.