التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٣ - أولا في الدين والثقافة
ج- وكان عذرهم في الكفر بالرسل، اتباعهم لآبائهم. قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى امَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُقْتَدُونَ) (الزخرف/ ٢٣)
إن تأكيد القرآن على مبادرة المترفين إلى الكفر بالرسل، يهدينا الى الصلة الوثيقة بين الترف والغنى، والميل إلى الكفر، وإلى المحافظة على تراث الآباء، وعدم السماح بأية دعوة جديدة تخالفه.
د- ولم يرضَ المتأثرون بالحمية الطبقية أن ينزل الله رسالته إلّا على رجل عظيم من القريتين (الطائف ومكة)، يملك ثروة كبيرة. وقد ردهم الله تعالى في كتابه، بأن تقسيم معايش الناس بيد الله الحكيم، الذي أراد أن يتخذ بعضهم بعضا سخرياً، حتى تتحرك عجلة الحياة، ولا علاقة للثروة بالرسالة. قال الله سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ* أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف/ ٣١- ٣٢)
وفي تفسير هذه الآية الكريمة حديث مفصل، نستمع إليه ملياً لما فيه من بيان حكمة الله البالغة في تفاضل الناس في الثروة، وأنه لا علاقة لذلك بانتخاب الرسول.
فقد روي عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام، عن أبيه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبد الله بن أمية المخزومي؛ لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولًا لبعث أجلّ من فيما بيننا مالًا وأحسنه حالًا. فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وانبعثك به رسولًا على رجل من القريتين عظيم؛ إما الوليد بن المغيرة بمكة، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف؟ فقال صلى الله عليه وآله: أما قولك لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؛ الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بالطائف، فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظم أنت، ولا خطر له عنده كما له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً به مخالفاً شربة ماء. وليس قسمة رحمة الله إليك، بل الله القاسم للرحمات، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه. وليس هو عز وجل ممن يخاف أحداً كما تخافه أنت لما له وحاله، فعرفته بالنبوة لذلك، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله كما تطمع