التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٤ - باء التوافق على الجريمة عذر الشرع
أخبركم بما هو أخوف عندي منه؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل؛ (أي رياءً). [١]
ونستفيد من الآية؛ إن من أهداف المنافقين تجريد النبي من صفة الرسالة، ونعته بالصفات المادية مثل قيادة الناس .. ويبقى سؤال آخر: هل هذا النهي كان نهياً تشريعياً دائماً كالنهي عن شرب الخمر مثلًا، أم كان نهياً (ولائياً) مصدره قرار سياسي مؤقت بسبب الظروف الأمنية؟
الثاني هو الأقرب، لأنه لا دلالة على حرمة النجوى بصورة عامة كحرمة شرب الخمر، ولأن كلمة" نهوا" مجملة ولا دلالة فيها على مصدر النهي ونوعه. ولو كان مصدره ونوعه النهي التشريعي، لكان الأجدر أن يقال: نهاهم الله أو ما أشبه.
٤/ وقد أمر القرآن المسلمين بأنهم إن تناجوا فليحذروا تجاوز حدود التقوى في النجوى، وهي الإثم وارتكاب ما حرّم الله مثل الحمية الجاهلية، وأن يسخر قوم من قوم، ثم العدوان وهو نتيجة الإثم باستلاب الناس حقوقهم وحرياتهم والتعالي عليهم وظلمهم والبغي عليهم .. ثم معصية الرسول ومشاققته. قال الله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ) (المجادلة/ ٩)
بلى؛ التناجي بالبرّ الذي هو التصدق على الناس، والتقيد بحدود الله سبحانه (التقوى)، وذلك في التعامل مع الآخرين، إنه أمر مرغوب فيه. ويرى العلامة الطباطبائي (ره) في تفسيره الميزان أن الآية حسب دلالة سياق الآيات لا تخلو من دلالة على رفع الحظر (عن النجوى)، وقد خوطب فيها المؤمنون فأجيز لهم النجوى، واشترط عليهم أن لا يكون تناجياً بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. [٢]
٥/ وأخيراً هل النجوى بذاتها مرغوب فيها، أم لا ..؟ لعل الآية التالية توضح أنها بذاتها غير حميدة، إلّا إذا كانت هناك ضرورة داعية إليها، حيث قال ربنا سبحانه: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة/ ١٠)
وبعد تلاوة هذه الآيات الكريمة، ما هي البصائر التشريعية التي نستفيد منها؟ يبدو لي أن هناك عدة بصائر:
[١] تفسير الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج ١٧، ص ٢٩١.
[٢] تفسير الميزان، ج ١٩، ص ١٨٧.